من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
المبحث الثَّانِي
27-10-2026
رحلتي في اكتشاف الوجود المذروء في الله
تأملاتي في (يذرؤكم فيه)
لقد كَانَتْ وقفتي الطويلة والمتأنية أَمَامَ الآية الكريمة: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) هِيَ تِلْكَ اللحظة المفصلية الَّتِي أعلنتُ فيها وفاة "التَّشْخِيص المَكَانِيّ التراثي" فِي وعيي بصفة نهائية وبلا عودة. فِي رحلتي الدؤوبة والمرهقة للبحث عَنْ "المصدر الأَوَّل"، والَّتِي لَمْ أترك فيها طائفة ولَا جماعة إلا وخالطتها-مِنْ صوفية غرقوا فِي الإشارات، إِلَى أشاعرة تاهوا فِي المتون، وصولاً إِلَى شيعة وإخوان وجماعات سلفية وقرآنيين وما تفرع عنهم من الرمزيين والباطنيين الجدد -كَانَ العائق الأكبر الَّذِي زرعته هَذِهِ المنظومات التقليدية فِي ذهني هُوَ تصوير اللَّه الخالق الأعظم وواجد هَذَا الوُجُود بوصفه كيانا مشخصا "منفصلاً" عَنْ خلقه وعَنْ الوُجُود بمسافات مادية شاسعة. مما خلق فجوة وجودية عميقة فِي نفسي، جعلتني أشعر بنوع مِنْ "اليتم الوجودي" والاغتراب عَنْ أصلي.
لكنني عندما بدأتُ أطبق منهج "التَّجْرِيد" عَلَى هَذِهِ الآيَة الكَوْنِيَّة المذهلة، اكتشفتُ أَنَّ حرف الجر (فِي) لَيْسَ مجرد أداة لغوية لرَبَطَ الكَلِمَات، إنما هُوَ حقيقة كبرى تقلب موازين الفَهْم الوجودي رأساً عَلَى عقب. وجدتُ بوضوحٍ تام أَنَّ "الذرء" لَيْسَ عملية خلق موازية تَحْدُث فِي فضاء خارجي مستقل عَنْ اللَّه، إنما هُوَ "بثٌ وجودي" متصل ومستمر، وتجلٍ دائم ومطلق يَحْدُث "داخل" محيط اسم اللَّه الظَّاهِر الذي يمثل الوجود تجليا له. ومِنْ هنا تيقنتُ أَنَّ الانفصال الَّذِي نشعر به مَا هُوَ إلا "وهُمْ " ناتج عَنْ قصور فادح فِي أدوات الإِدْرَاك لدينا؛ حَيْثُ تكتفي حواسنا المَادِّيَّة برؤية القشور والحدود والمسافات، بينما تغيب عنها الحَقِيقَة التَّجْرِيدِيَّة العظمى الَّتِي تؤكد أننا لَا نخرج أبداً عَنْ دائرة "القيومية" الَّتِي تحيط بكُلّ شيء.
إِنَّ هَذَا الفَهْم جعلني أعيد فهمي للوُجُود بأسره؛ فإِذَا كَانَ اللَّه هُوَ "المحيط" (وهُوَ وصف قرآني صريح)، فإِنَّ كُلّ مَا نراه مِنْ موجودات مَا هُوَ إلا تموجات وتجليات داخل هَذَا المحيط وهي أيضا مُحاط بها من الله بل وكل شيء مهما صَغُر أو كبُر محاطٌ بالله ولا يخرج عن إحاطته. إِنَّ وهُمْ المسافة المكانية هُوَ الَّذِي أنتج "التَّشْخِيص التراثي" الَّذِي يعاني منه المتدينون اليَوْم؛ حَيْثُ يتخيلون اللَّه فِي "مكان مَا" بعيد، بينما الآيَة تَقُول بوضوح إِنَّ عملية الذرء تَحْدُث "فيه". هَذَا التحول مِنْ "التَّشْخِيص" الَّذِي يضع الحدود، إِلَى "التَّجْرِيد" الَّذِي يَرَى الإحاطة، هُوَ الَّذِي منحني السلام الداخلي وجعلني أشعر بأَنَّ المصدر أقرب إليَّ مِنْ حبل الوريد، لَيْسَ قرباً معنوياً فحسب، إنما هُوَ قربٌ وجودي حتمي ناتج عَنْ استحالة الانفصال بَيْنَ الموجة والمحيط.
لقد كَانَتْ تِلْكَ الصدمة المعرفية هِيَ الرد الحاسم عَلَى كُلّ المجادلات الَّتِي خضتها مَعَ كبار العلماء، ومنهم الدكتور زغلول النجار رحمه اللَّه فِي حوارنا حَوْلَ "وجود اللَّه"؛ فبينما كَانَ هُوَ ومِنْ سبقه يحاولون إثبات "وجود" اللَّه كشيء يقع تَحْتَ طائلة السببية والمَكَان، كنتُ أرى أَنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي يذرؤ الكُلّ فِي فيض جلاله. إِنَّ "الذرء" فِي هَذِهِ الآيَة يعيد تعريف الكيان الإنساني، فهُوَ لَيْسَ كتلة مادية تائهة فِي فضاء مفرغ، إنما هُوَ وعيٌ مستخلف وشيفرة تتشكل داخل "التشفير الإلهي" المُطْلَق. ومِنْ هَذِهِ النقطة، انطلقتُ لبناء نسقي المعرفي الَّذِي يرفض تجزئة الحَقِيقَة أو حبسها فِي جهات مكانية، مؤمناً بأَنَّ السيادة الفِكْرِيَّة تبدأ عندما يُدْرِك الإِنْسَان أنه لَمْ ينفصل يوماً عَنْ مصدره، وأَنَّ كُلّ مَا يتطلبه الأَمْر هُوَ "إعادة معايرة" لترددات وعيه ليبصر الحَقِيقَة وَرَاءَ ستار الأوهام المَادِّيَّة وان لفظ "ذرأ" مختلف تماما عَنْ لفظ "ترك" فالأَوَّل يستلزم الإتصال من حيث الأصل بينما الثَّانِي يستلزم الإنفصال من حيث الأصل وهذا الفهم الذي تحاورنا حوله واتفقنا عليه أنا أخي الأستاذ ياسر العديرقاوي.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.