من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
ميثاقُ الوعي الجديد
27-10-2026
بهَذَا نختم هَذَا الفصل مِنْ حياتي، الَّذِي لَمْ يَكُن مجرد بحثٍ أكاديمي، إنما كَانَ صراعاً وجودياً لاسترداد "السيادة المعرفية". لقد خالطتُ الجميع لأعرف أَنَّ لَا أحد يمتلك الحَقِيقَة التامة مَا دام حبيس القالب المذهبي. رأيتُ كيف يتكئ "الأوصياء التراثيون" عَلَى عكاز (العَقْل) حِينَ لَا يسعفهم النَّصّ، وكيف يرهبون النَّاس بسيف الردة لضمان بقاء سيطرتهم على القطيع. لكنني خرجتُ مِنْ تِلْكَ الغابة المذهبية بوعيٍ مستقل، مؤمناً بأَنَّ اللَّه هُوَ المصدر المباشر لكُلّ قلبٍ تجرد مِنْ الأغيار.
إِنَّ الرحلة مِنْ ضيق التفسير اللغوي إِلَى رحابة القانون الكَوْنِيّ هِيَ قصة ميلاد "الإِنْسَان الرباني" الَّذِي لَا يسجد للصنم المذهبي. لقد تفتق وعيي مِنْ بَيْنَ ركام التلقين ليعلن أَنَّ الاستقلال هُوَ القرار الأسمى، وأَنَّ الوصل بالمصدر هُوَ العروة الوثقى. نَحْنُ لَا نقرأ الحَقِيقَة بعيون الموتى، إنما نتصل بالحي الَّذِي لَا يموت، متمسكين بعهد الفِطْرَة الأصيل الَّذِي لَا تشوبه شائبة التجسيم.
لقد استوى بنيان الوَعْي الآن ليَقُول لكُلّ باحث عَنْ النُّور: إِنَّ العِلْم هُوَ معراجك، والتَّجْرِيد هُوَ وطنك، والصدق هُوَ رفيقك. ومِنْ هَذِهِ النقطة، سننطلق لتشييد "البناء" عَلَى قواعد الحقائق الوجودية الَّتِي لَا تزول، حَيْثُ يمارس الإِنْسَان سيادته فِي ملكوت اللَّه، مخلصاً دينه له وحده، بعيداً عَنْ تيه القرون وتناحر المذاهب الَّتِي لَمْ تورث الإنسانية إلا شتاتاً وضياعاً.
إِنَّ هَذَا الطرح لَيْسَ مجرد رأي، إنما هُوَ حصيلة معاينةٍ دقيقة لكُلّ تكوينات الفِكْر الَّتِي سادت ثم بادت. واليَوْم، نضع اللبنة الأُولَى لمستقبلٍ يَرَى فيه الإِنْسَان ربه ببصيرة التنزيه، ويمشي فِي أرضه بقوة الاسْتِخْلَاف، محققاً السلام الداخلي والانسجام الكَوْنِيّ فِي أبهى صورهما.
لقد انتهى زمن الوصاية، وبدأ زمن التجلي؛ حَيْثُ الرُّوح فِي وطنها، والقَلْب فِي سكينته، والوَعْي فِي أعلى مدارج التَّجْرِيد، يرقب نور الفجر الَّذِي لَا ينطفئ، ويستقبل فيض الرحمة الَّذِي يملأ آفاق الوُجُود بكُلّ بهاءٍ ونقاء.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.