من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
نقدُ بنية اليقين
26-10-2026
إِنَّ المتأمل فِي فكر الجماعات الإسلامية يَجِد تناقضاً صارخاً؛ فهُمْ يرفعون شعارات "نثبت مَا أثبته اللَّه لنفسه" و"لَا اجتهاد مَعَ النَّصّ"، لكنهم عِنْدَ "أصل الوُجُود" يتركون النَّصّ ويهرعون إِلَى (العَقْل) والفِطْرَة -بمفهومهم-. خذ مثلاً مَا أورده الدكتور عمر الأشقر فِي كتابه "العقيدة فِي اللَّه"، حَيْثُ جعل "دليل الفِطْرَة" هُوَ الركيزة الأُولَى، مدعياً أَنَّ القُرْآن لَمْ يطل فِي الاستدلال عَلَى الوُجُود لأَنَّ الفطرة السليمة تقرُّ به بلَا دليل. وهنا أتساءل: مِنْ أين جاء بهَذَا التقرير والقُرْآن لَمْ يقله؟ وكيف يعطل الحاجة إِلَى "الدليل المنقول" فِي أصل العقيدة بينما يطالبنا به فِي أتفه المسائل الفقهية كتحريك الإصبع فِي الصَّلَاة؟
إِنَّ هَذَا "الفقر المعلوماتي" يتجلى فِي الخلط بَيْنَ "الواجد" و"الموجود" أو "الخالق" و "المخلوق"! فالخالق اسم فاعل، والمخلوق اسم مفعول، واللغة لَا تقبل المساواة بينهما. وعندما يستخدمون "قانون السببية" للاستدلال عَلَى اللَّه، يقعون فِي فخ التجسيم؛ فإِذَا كَانَ كُلّ موجود لَا بد له مِنْ "مُوجد"، فمِنْ الَّذِي أوجد اللَّه بحسب منطقهم؟ إِنَّ الشيء لَا يوجد نفسه كمَا يقولون، فهل اللَّه عندهم "شيء"؟ إِنَّ محاولاتهم لقياس الخالق عَلَى المخلوقات، كالاستدلال بالبعرة عَلَى البعير أو ببقايا مدينة فِي الصحراء عَلَى صانعيها، تسقط تماماً عندما نعلم أَنَّ القوانين المَادِّيَّة لَا تنطبق عَلَى "المُطْلَق".
اللَّه "الواجد" لَا "الموجود"
خلاصة مَا وَصَلَتْ إليه عبر رحلتي فِي بيوتات العِلْم والمذاهب، أَنَّ اللَّه سبحانه لَمْ يصف نفسه بالموجود ولا حتى بالواجد! وإنَّ الموجود فِي لغتنا "محدود" واللَّه "مطلق". إِنَّ كلمة "موجود" تعني لغوياً أَنَّ فعلاً قد وقع عليه، وهَذَا يتناقض مَعَ كونه "الواجد" أو الموجد لكُلّ شيء. اللَّه هُوَ الواجد (اسم فاعل) الَّذِي يفيض بالوُجُود "يتجلى الوجود باسم الله الظاهر"، ولَا يمكن أَنَّ يجتمع النقيضان (واجد وموجود) فِي حقه، كمَا لَا نقول إنه (خالق ومخلوق) ونَحْنُ عندما نتقبل مصطلح "الواجد" مَعَ عدم ذكره فِي القُرْآن بشكل مباشر فإننا نتقبل ذَلِكَ لمواجهة اسم الفاعل هَذَا للوجود كناتج عَنْ فعل الفاعل كمَا أَنَّ الخالق هُوَ اسم فاعل بمواجهة المخلوق وفِي الحَقِيقَة فإِنَّ استعمال هَذَا المصطلح (الإسم) "الواجد" هُوَ لتقريب المفاهيم ولَيْسَ مِنْ باب التسليم بأَنَّ هَذَا (الإسم) مِنْ أسماء اللَّه لأننا سنكتشف عِنْدَ التعمق أَنَّ الوُجُود لَا يوجد بفعل اللَّه المباشر وإنما ضمن درجات ربوبية بأمرٍ أو إذن مِنْ اللَّه وإن القرآن نسب لله أفعال التكوين والإبداع والصنع والفطرِ والوجدِ وغيرها مما يستدل بمجموعها على الإيجاد كمقاربة.
لقد وجدتُ أَنَّ الإِنْسَان لَا بد أَنَّ يمتلك الشجاعة لترك "شاطئ التفسير" المليء بالأوهام المذهبية، ليبحر فِي محيط المعنى التَّجْرِيدِيّ. إِنَّ استقلالي المعرفي بُني عَلَى رفض إقحام المنطق البشري القاصر فِي وصف اللَّه. اللَّه محيط بكُلّ شيء، حاشاه أَنَّ يحويه وجودٌ أو يحده تصور. هَذِهِ هِيَ الأَمَانَة الَّتِي أحملها؛ أَنَّ نكون خلفاء في الأرض وأن نعبد اللَّه كمَا هُوَ فِي جلال تنزيهه، لَا كمَا رسمته مخيلات الفقهاء.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.