من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية

الانعتاقُ مِنْ سجونِ المذهبيةِ نحو فضاءِ المُطْلَق

22-10-2026

🔗 شارك المقال:واتسابفيسبوكXتيليغرام
الانعتاقُ مِنْ سجونِ المذهبيةِ نحو فضاءِ المُطْلَق
لقد كَانَ الفرارُ مِنْ المذهبيةِ يعني لي فِي جوهرِهِ تحطيمَ تِلْكَ الأغلفةِ الذهنيةِ الكَثِيفَة الَّتِي صمَّمَها الفقهاءُ والمتكلمونَ عبر القرون والولوجَ مباشرةً إِلَى "قلب الوُجُود" الصافي. ففي سجونِ المذهبيةِ الضيقة، يُعاملُ "اللَّه" -عز وجل- ككيان مُشخّص، يُحبسُ فِي أطرٍ ذهنيةٍ تخضعُ لمقاييسِ البَشَر فِي الغضبِ والرضا والجهةِ والمَكَان؛ وهَذَا فِي نظري هُوَ أوجُ "التَّشْخِيص" الَّذِي تسببَ فِي ضياعِ أعمارِ الأممِ فِي ممراتِ الوهم. أما فِي فضاءِ "المُطْلَق" الَّذِي ارتحلتُ إليه، فقد اكتشفتُ أَنَّ اللَّه هُوَ "المحيطُ الَّذِي لَا يحدُّهُ وصفٌ ولَا يحويهِ ظرف"، هُوَ النُّور الَّذِي يتجاوزُ كُلّ رسمٍ أو صورةٍ ذهنيةٍ قاصرة.
إِنَّ هجرتي المعرفيةَ لَمْ تَكُن هرباً بل كَانَتْ بحثاً دؤوباً عَنْ "الوَاحِد" الَّذِي لَا يقبلُ القسمة على مذهب بينما المذهبيةُ فِي حقيقتِها هِيَ فنُّ تجزئةِ الوَاحِد لتحويلِهِ إِلَى حصصٍ طائفيةٍ متناحرة. لقد قررتُ بكاملِ وعيي أَنَّ أتركَ "القطيع" المكونَ عَلَى التبعيةِ لأستعيدَ صلتي الفرديةَ المستقلةَ بالمصدرِ الأَوَّل؛ فالإِنْسَان كمستَخَلْفَ رباني لَا يهاجرُ بجماعتِهِ ولَا يستمدُّ يقينَهُ مِنْ الحشود إنما يهاجرُ بوعيِهِ المجرّد ليَكُون "أمةً وحده" فِي حضرةِ المُطْلَق، بعيداً عَنْ ضجيجِ الأتباعِ وأوهامِ الأوصياء.
وكما قَالَ ابنُ عربي فِي أبياتِهِ الَّتِي تصفُ تماهي الرُّوح مَعَ تجلياتِ الحَقّ العظمى:
"لَقَد كُنتُ قَبلاً أُنكِرُ الصاحِبَ الَّذِي ... إِذَا لَمْ يَكُن ديني إِلَى دينِهِ داني"
"وأَصْبَحَ قَلبي قابِلاً كُلّ صورَةٍ ... فَمَرعىً لِغِزلانٍ وَدَيرٌ لِرُهبانِ"
إِنَّ هَذَا الاتساعَ الوجوديَّ هُوَ الغايةُ القصوى الَّتِي كنتُ أنشدُها؛ حَيْثُ يتحررُ القَلْب مِنْ "وثنِ الفكرةِ" الوَاحِدَة ليقبلَ تجلياتِ اسم الحَقّ فِي كُلّ زاويةٍ مِنْ زوايا الملكوت. إِنَّ تحطيمَ الأصنامِ الذهنيةِ هُوَ الشرطُ الأَوَّل لممارسةِ الاسْتِخْلَاف؛ فمِنْ لَا يجرؤُ عَلَى تحطيمِ صنمهِ الذهنيِّ الداخلي لَنْ يبصرَ أبداً نورَ المُطْلَق الخارجي. لقد أردتُ لهَذَا البناءِ أَنَّ يَكُون محراباً للتنزيه، لَا مكاناً لتقديسِ القوالبِ الَّتِي خنقَت روحَ النَّصّ وحالت بَيْنَ الإِنْسَان وبَيْنَ ربه.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
🔗 أعجبك المقال؟ شاركه:واتسابفيسبوكXتيليغرام

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.