من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية

ثنائيةُ عيسى والمسيح: شرارةُ الفصل بين الطين والروح

21-10-2026

🔗 شارك المقال:واتسابفيسبوكXتيليغرام
ثنائيةُ عيسى والمسيح: شرارةُ الفصل بين الطين والروح
تِلْكَ اللحظة الَّتِي انبلجَ فيها فِي وعيي سرُّ التمايز بَيْنَ "عيسى" و"المسيح" لَمْ تَكُن مجرد خاطرة لغوية عابرة، بل كَانَتْ هزة معرفية عنيفة أطاحت بكُلّ جدران التلقين الَّتِي سكنتُها طويلاً، ففي تِلْكَ الومضة، كففتُ عَنْ قراءة النَّصّ القُرْآنِيّ بوصفه سرداً لقصص وأساطير الأولين، وبدأتُ أُبصره كخارطة وجودية كبرى تَكْشِف القوانين الَّتِي تُحرك الحَيَاة مِنْ حولنا. لقد رصدتُ بذهول أَنَّ الخطاب القرآني يتعامل مَعَ هَذَا الكيان الفريد بازدواجية لغوية مهيبة، فهُوَ تارةً يناديه "عيسى بن مريم" وتارةً يطلق عليه لقب "المسيح"، ولَمْ يَكُن هَذَا التبادل مِنْ قبيل تزيين الكَلَام، إنما كَانَ فصلاً دقيقاً بَيْنَ مَا هُوَ مشخّص يخضع لضرورات المَادَّة والطبيعة البشرية، وبَيْنَ مَا هُوَ مجرّد يتصل بعالم الرُّوح ويسمو فَوْقَ قيود الزَّمَكان كما نعرفه.
لقد تجلى لي أَنَّ "عيسى بن مريم" هُوَ النموذج البشري الأكمل على هذه الأرض، ذَلِكَ الكيان الَّذِي حمل التوقيع الفطري الأسمى للبشرية وخضع لسنن الأَرْض واحتياجاتها، فهُوَ العبد الَّذِي يمشي فِي الأسواق ويأكل الطعام، ويُمَثِّل الواجهة الَّتِي تفاعلت معها الأَرْض بكُلّ كثافتها. أما "المسيح"، فهُوَ المقام الروحي، الرُّوح والكَلِمَة والحَقِيقَة الَّتِي لَا تقهرها قوانين المَوْت والألم والحاجة الأرضية، إِذْ هُوَ "النُّور" الَّذِي سكن تلك الصورة البشرية الطاهرة وفاضت منه أفعال القدرة مِنْ إحياءٍ وخلق، لأَنَّ تِلْكَ الآيَات (المعجزات) لَا تصدر عَنْ طين بشري، وإنما عَنْ رتبة وجودية تمتلك اتصالاً مباشراً بشيفرة عالم الأمر.

ان هَذَا الكشف يمثل إعادة صياغة لكامل فهمنا للإنسان فِي رحلته نحو الحَقّ، فصَارَ كُلّ شيء فِي الكَوْن فِي نظري يمتلك "عيسى" خاصاً به يُمَثِّل ظاهره الكَثِيف المُشَخَّص، و"مسيحاً" كامناً فيه يُمَثِّل باطنه المجرّد اللَّطِيف. والشرارة الَّتِي فصلت بَيْنَ الصورة والرُّوح فِي حياة المسيح عيسى ابن مريم هِيَ الَّتِي علمتني كيف أفصل بَيْنَ الجسم المَادِّيّ وبَيْنَ وعيي المستقل، مدركاً أننا نُسجن غالباً فِي انشغالنا بالمَادَّة وننسى ارتقاءنا الروحي.
بفضل هَذَا الفتح، وجدتُ أَنَّ مَا "شُبّه لهُمْ" كَانَ يخص الفِعْل المشخّص المرتبط بالجسم، بينما المقام الروحي المجرّد لَا يمكن قتله أو صَلبه، فالمسيح استرد هويته الكَامِلَة رافعا معه شيفرة عيسى البشرية بالوفاة. ومِنْ هنا انطلقتُ لأؤكد أَنَّ رحلة الإِنْسَان هِيَ انتقالٌ مستمر مِنْ ضيق المَادَّة إِلَى سعة الرُّوح، ومِنْ فناء الصور إِلَى خلود المعاني، ليَكُون هَذَا الكشف هُوَ القاعدة الصلبة الَّتِي يبنى عليها الوَعْي المستقل، محققاً الوحدة بَيْنَ التجربة الذاتية والحَقِيقَة الكُلِّيَّة.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
🔗 أعجبك المقال؟ شاركه:واتسابفيسبوكXتيليغرام

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.