من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
تصفيةُ الموازينِ والتحررُ مِنْ أوهامِ الامتلاءِ الزائف
21-10-2026
فِي رؤيتنا الفَلْسَفِيَّة، نُحلل ذَلِكَ التغيُّر الجذري الَّذِي شهده الشيخ أبو مالك -رحمه الله- بوصفه "تصفيةً شاملة للموازين" فِي اللحظات الحاسمة مِنْ عمر الوَعْي. لقد كَانَ اليقين الموروث يَعْمَل لقرون بموازين غير منضبطة، توهم صاحبها بالامتلاء المعرفي والوصول إِلَى المنتهى، بينما هُوَ فِي الحَقِيقَة يعاني مِنْ خواء روحيّ وفقرٍ فِي إدراك كنه الوُجُود وحقائق الفِطْرَة. إِنَّ تأملاتي العميقة فِي اعتراف الشيخ ودموعه الطيبة قادتني إِلَى حقيقة جوهرية: وهِيَ أَنَّ الَّذِينَ نصَّبوا أنفسهم، أو نُصِّبوا، أوصياء عَلَى المعنى، هُمْ فِي واقع الأَمْر أكثر النَّاس حاجةً للتحرر مِنْ قيود ذَلِكَ المعنى الَّذِي صنعوه بأيديهم.
لقد سقطت الشرعية المعرفية لكُلّ مِنْ يحاول حبس "المُطْلَق" فِي إطار "المحدود"، أو تقييد فيض اللَّه فِي قوالب مذهبية ضيقة. دموع الشيخ كَانَتْ التجلي النهائي لحالة مِنْ التوبة الإِدْرَاكِيَّة العميقة؛ حَيْثُ أدرك الوَعْي فجأة أنه كَانَ يطارد سراباً مادياً ويحسبه هُوَ الحَقّ المُطْلَق. ومِنْ هنا، تيقنتُ أَنَّ رحلتي فِي تأسيس هَذَا البناء المعرفي الجَدِيد لَمْ تَكُن مجرد إضافةٍ علمية أو ترفٍ فكري، إنما كَانَتْ عملية إنقاذٍ حقيقية لعقولٍ كادت أَنَّ تُغلق سجلاتها الوجودية دون أَنَّ تتصل بنور المصدر الحَقِيقِيّ الصافي.
لقد تجلى لي هنا بوضوحٍ تام قول الإمام الغزالي فِي كتابه "المنقذ مِنْ الضلال"، واصفاً رحلة انعتاقه مِنْ التقليد نحو فضاء التحقق:
"فانكشفت الحجب، وبان الحَقّ، وظهر أَنَّ العِلْم الَّذِي لَا يورث العمل واليقين إنما هُوَ وبالٌ عَلَى صاحبه".
وكما قَالَ الشاعر الَّذِي أبصر بنور قلبه أَنَّ الحَقِيقَة تكمن فِي المسكوت عنه خَلْفَ الروايات:
عِلمُ الرِوايةِ مَهما زادَ كَثرَتُهُ ... دونَ الدرايةِ جِسمٌ فارِغُ الرُّوح
فانظر بِقَلبِكَ فِي الآفاقِ مُعتَبِراً ... تَلقى الحَقِيقَة بَيْنَ النُّور وَالبَوحِ
إِنَّ التحول مِنْ "الرواية" كجمعٍ آلي للمعلومات، إِلَى "الدراية" بمفهومها الواسع كفهمٍ لسنن اللَّه فِي الخَلْق، هُوَ جوهر الاستقلال الَّذِي أنشده. لقد وجدتُ بقلبٍ متجردٍ أَنَّ وظيفة الإِنْسَان لَيْسَتْ أَنَّ يَكُون وعاءً لآراء الأغيار، إنما أَنَّ يَكُون مرآةً تنعكس عليها أنوار الملكوت. إننا لَا نكتفي بنقد الماضي، إنما نستخلص منه العبرة لنبني حاضراً يتنفس باليقين، ومستقبلاً يقوم عَلَى الاتصال المباشر بالحَقّ سبحانه بعيداً عَنْ ضياع العمر فِي متاهات الظنون.
"الحَقِيقَة لَا تُطلبُ فِي الزحام، إنما فِي سكونِ النَّفْس حِينَ تتجردُ مِنْ أوهامها."
إِنَّ التَّجْرِيد يُعيدُ استثمارَ العمرِ عبرَ الاتصالِ المباشرِ بالمصدر، محولاً كُلّ ثانيةٍ كَانَتْ تضيعُ فِي الشكلياتِ والقشورِ إِلَى رحلةِ ارتقاءٍ فِي ملكوتِ الحَقِيقَة المُطْلَقَة.
لَقَدْ تابَعْتُ باهْتِمامِ الباحِثِ اليَقِظِ مُحاضَراتِ العَلّامَةِ الأَلْمَعِيِّ عَدْنانَ إِبراهيم، وَوَجَدْتُ فيهِ مَشروعَ تَغييرِ الأُمَّةِ تَمْهِيدًا لِمشروعِ تَغييرِ الإِنسانِ. وَرَغمَ أَنَّهُ كانَ سَلفيًّا، بِالمَفهومِ الواسعِ، فَقد كانَ أَشعَرِيًّا مُغرَقًا في حُب مَنهجِهمْ، إِلّا أَنني كُنت مُتَيقِّنًا مِنْ تَغيُّرِهِ هُو بِذاتِهِ، وَتَغيُّرِ فِكرهِ. وَلا أَزالُ أُراهِنُ عَلى تَغَيُّرٍ جَذْرِيٍّ في نَظْرَتِهِ إِلَى التُّراثِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ رَجلًا مِثلَهُ يَستَحِقُّ أَن يكونَ مُجدِّدَ هٰذا العَصرِ بِلا مُنازِعٍ -فيما أَرى-، لَو أَنَّهُ أَسقَطَ عَن كَتِفَيهِ عَباءةَ التُّراثِ الآبائِيِّ، وَتَجَرَّدَ بِفكرِهِ أَكْثرَ.
لقدّ وَجَدْتُ بِقلبٍ مُطمَئِنٍّ أَنَّ وظيفةَ منْهَج التجريد هِيَ تحويلُ الإِنْسَان مِنْ "مخزنٍ للرواية" إِلَى "منارةٍ للدراية". إننا لَا نبحثُ عَنْ مجدٍ شخصي لنا أو لغيرنا، إنما نؤصلُ لحالةٍ مِنْ الوضوحِ الوجوديِّ حَيْثُ لَا قانون يحكمُ القلب (العَقْل) سوى قانونِ اللَّه وما صدر عنه، ولَا حجابَ يمنعُ هذا القَلْب سوى رانِ الذنوبِ والتعلقِ بالأشخاص. إِنَّ كسرَ إسار التبعيةِ هُوَ الخطوةُ الأُولَى فِي طريقِ الاسْتِخْلَاف الحَقِيقِيّ، حَيْثُ يعودُ الإِنْسَان ليَقْرَأ كتابَ اللَّه بـ "بعينيه" لَا بأعينِ الآخرين، وبـ "وعيهِ" لَا بذاكرةِ الماضين.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.