من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية

دموعُ "أبو مالك": شهادةُ ميلادِ الوَعْي المستقل

20-10-2026

🔗 شارك المقال:واتسابفيسبوكXتيليغرام
دموعُ "أبو مالك": شهادةُ ميلادِ الوَعْي المستقل
فِي رحلتي الدؤوبة نحو الوَعْي الأصيل، لَمْ تَكُن اللحظات الأكثر تأثيراً فِي وجداني هِيَ تِلْكَ الَّتِي قضيتُها وحيداً بَيْنَ طيات المخطوطات العتيقة، إنما كَانَتْ تِلْكَ المواجهات الحية الَّتِي وضعتُ فيها "أوصياء الموروث" وجهاً لوجه أَمَامَ حقيقة الجوهر الَّذِي رأيته. إِنَّ لقائي بالشيخ أبو مالك -رحمه اللَّه- والَّذِي كَانَ يتبوأ مكانةً سامية فِي الهرم الفِكْرِيّ للمدرسة السلفية، لَمْ يَكُن لقاء تلميذٍ يطمح إِلَى نيل إجازةٍ أو مباركةٍ، إنما كَانَ "لحظة تدقيق وجودية" قاسية لعقلٍ أفنى عقوداً طوال فِي محاريب التلقين وحفظ الروايات وتفسير القرآن الكريم.
عندما عرضتُ عليه لغز "عيسى والمسيح" وفككتُ أمامه ثنائية "التَّشْخِيص" و "التَّجْرِيد"، شهدتُ بأم عيني مَا أسميه "الانهيار الكَبِير لليقين الموروث" بكل تواضع وأخلاق. تِلْكَ اللحظة الَّتِي انهمرت فيها دموع الشيخ وهُوَ يَقُول بصوتٍ يملؤه الأسى والصدق: "يا هاشم.. ضيعنا أعمارنا فيما لَا ينفع"، كَانَتْ هذهِ العبارة هِيَ الإعلان الصريح والمدوي بأَنَّ نظام الفَهْم السلفي قد عجز تماماً عَنْ الصمود أَمَامَ نور الحَقِيقَة المجردة. لقد كَانَتْ تِلْكَ الدموع اعترافاً بأَنَّ المنطق الجَدِيد قد استطاع اختراق الحجب الكَثِيفَة الَّتِي ضربتها المدارس المشخصة حَوْلَ النَّصّ الإلهي لقرون طويلة.

إِنَّ هَذَا الموقف لَمْ يزدني شموخاً بقدري وإنما زادني تواضعاً أَمَامَ عظمة الحَقّ؛ فقد رأيتُ كيف يتواضع بناءٌ فكريٌ ضخم بمجرد ملامسته لروح "التَّجْرِيد". لقد وجدتُ أَنَّ العِلْم لَيْسَ بكثرة الرواية إنما بنورٍ يقذفه اللَّه فِي القَلْب استحقاقا فيبصر به القوانين الحاكمة للوجود. إِنَّ الانهيار الَّذِي أصاب يقين الشيخ كَانَ بداية البناء اليقيني لدي؛ إِذْ تيقنتُ أَنَّ الرجوع إِلَى "المصدر الأَوَّل" هو السبيل الوحيد لإنقاذ الإِنْسَان مِنْ ضياع العمر فِي التفاصيل الَّتِي لَا تبني روحاً ولَا تحيي نفساً.
وكما قَالَ الشاعر الحَكِيم أبو العلاء المعري فِي وصف حيرة العقول وضياعها فِي التقليد قَبْلَ أَنَّ يسطع فجر الحَقِيقَة:
تَحطَّمَتِ العُقولُ عَلَى يَقينٍ ... وكَانَ الشَكُّ أَولى بِالصَوابِ
فلَا تَقبَل بِمِنهاجِ الأَوالي ... إِذَا مَا رُمتَ كَشفاً لِلحِجابِ
إِنَّ شهادة الشيخ الجليل أبو مالك -رحمه اللَّه- كَانَتْ بمثابة الوداع الأخير لزمن التبعية، والترحيب الرسمي بزمن "التحقق الشخصي". لقد علمتني تِلْكَ اللحظة أَنَّ الصدق مَعَ النَّفْس هُوَ أقصر الطرق للوصول إِلَى اللَّه، وأَنَّ شجاعة الاعتراف بالخطأ هِيَ قمة السيادة الإِنْسَانِيَّة عَلَى الذات. مِنْ هنا تعزز إيماني بأَنَّ وظيفتي لَيْسَتْ ترميم الأفكار القَدِيمَة بل إعادة وَصَلَ الإِنْسَان بنبع الفِطْرَة الصافي، حَيْثُ لَا وسيط بَيْنَ الخالق وعبده، وحَيْثُ يتجلى "المسيح" كقيمة تجريدية تتجاوز حدود الزَّمَان والمَكَان لتبعث الحَيَاة فِي كُلّ قلبٍ تجرد مِنْ الأغيار.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
🔗 أعجبك المقال؟ شاركه:واتسابفيسبوكXتيليغرام

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.