من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
البيانُ معراجٌ نحو التجريد
20-10-2026
أثبتت لي تِلْكَ التجربة العميقة أَنَّ "الكَلِمَة" هِيَ القوة الأبقى والأكثر نفوذاً فِي هندسة الوُجُود الإنساني؛ فإِذَا كَانَتْ فكرةٌ واحدة مجردة قد استنفرت كُلّ تِلْكَ القوى، فماذا سيكون أثر النسق المتكامل للوعي عندما يُبصر النَّاس حقيقتهم الجوهرية؟ إِنَّ خطورة البحث عَنْ "الحقيقة" تكمن فِي أنها تُعيد للمستضعفين يقينهم الراسخ باستخلافهم الرباني، وتحطم نرجسية المتسلطين عبر كشف وهُمْ قوتهم المَادِّيَّة الَّتِي تعتمد فِي استمرارها عَلَى حجب النُّور عَنْ بصائر النَّاس.
لقد تعلمت أَنَّ الحَقّ لَا يَحْتَاج إِلَى حمايةٍ خارجية، إنما يَحْتَاج فقط إِلَى "وضوحٍ فِي الرؤية" وجرأةٍ فِي التعبير. لقد رأيتُ الخوف يرتسم فِي عيون أوصياء التقليد التراثي؛ لَمْ يَكُن خوفاً مني كفرد، إنما مِنْ "الحَقِيقَة" الَّتِي أحملها؛ تِلْكَ الحَقِيقَة الَّتِي تسقط قداسة البَشَر الزائفة والمذهبية الفاسدة وتعيد المركزية المُطْلَقَة للخالق وحده، بلَا وسائط أو حجب.
لقد كَانَتْ هَذِهِ التجربة هِيَ "الختم الرسمي" عَلَى جواز سفري نحو التَّجْرِيد المُطْلَق. لقد كشفت لي أَنَّ البحث عَنْ الجوهر هُوَ المعراج الحَقِيقِيّ للنفس؛ معراجٌ يتطلب تصفية الموازين مِنْ الخوف، ومِنْ الأنا، ومِنْ التبعية العمياء. ومِنْ تِلْكَ النقطة، انطلقتُ لتأسيس بنائي المعرفي، متسلحاً بيقينٍ أَنَّ كُلّ مَا يُبنى عَلَى الحَقّ هُوَ الوحيد الَّذِي سيبقى صامداً فِي وجه عواصف المَادَّة. لقد حَقَّقَتْ بتِلْكَ المواجهة سلماً داخلياً شاملاً، حَيْثُ لَا جماعة تتحكَّم، ولَا حجاب يمنع، إنما هِيَ رحابة ربانية تتنفس فِي رحاب "سبحانك". وبَقِيَتْ الكَلِمَة الخالدة ترنُّ فِي سويداء قلبي كعهدٍ أبدي بَيْنَ الوَعْي المستقل وخالقه: (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَّبٍّ رَّحِيمٍ)؛ حَيْثُ ينتهي ضجيج العالم، ويبدأ النعيم الإِدْرَاكِيّ الصافي.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.