من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
بوتقةُ الانصهار وخروجُ اليقين الخالص
19-10-2026
كَانَتْ تِلْكَ المواجهة القاسية بمثابة "بوتقة اختبار" حقيقية لليقين الَّذِي استقر فِي أعماق قلبي. فِي تِلْكَ اللحظات، كنت أجد نفسي أَمَامَ سؤالٍ وجوديٍ عميق: هل سأرتد إِلَى منطقة "التَّشْخِيص" طلباً للأمان الزائف والسكينة المؤقتة الَّتِي توفرها الجماعة؟ أم سأتمسك بـ "التَّجْرِيد" وفاءً لعهد الاسْتِخْلَاف الرباني الَّذِي يقتضي الصدق مَعَ النَّفْس ومَعَ الخالق؟ لقد اخترتُ، بكُلّ هدوء، المضي قدماً فِي كشف زيف الحجب الَّتِي تراكمت عبر العصور، مدركاً تمام الإِدْرَاك أَنَّ ثمن هَذَا الاختيار هُوَ "الاغتراب الروحي" فِي عالمٍ يألف السير خَلْفَ القوالب الجاهزة؛ فالنسق الجمعي بطبيعته يكافئ مِنْ يسبح فِي تياره، ويطارد بكُلّ أدواته مِنْ يحاول مخالفته بصرف النظر عن جمال فكره.
لقد اكتشفتُ أَنَّ "الحقيقة والجوهر" الَّذِي أفنيتُ عمري فِي البحث عنه لَيْسَ مجرد معلومات تُجمع أو نظريات تُدرس، إنما هُوَ "طاقة وجودية" حية تمنح صاحبها القدرة عَلَى التسامي فَوْقَ المخاوف المَادِّيَّة. فالقلب الَّذِي لَا يرتعد أَمَامَ الحشود أو الضغوط المَادِّيَّة هُوَ قلب قد أبصر الحَقِيقَة الكامنة وَرَاءَ المظاهر؛ ومِنْ رَأَى الجوهر الصافي، لَمْ يعد يخشى القشرة مهما كَانَتْ كثيفة. إنني كإِنْسَان يسعى للأصالة، وجدتُ حينها أنني أعمل داخل الواقع الأرضي بجسم ماديٍ يخضع للقوانين، لَكِنَّ وعيي يَجِب أَنَّ يَظَلّ محلقاً فِي آفاق التنزيه، متصلاً بالمُطْلَق الَّذِي لَا يحده زمانٌ أو مكان.
وكما قَالَ أبو الطيب المتنبي:
وإِذَا كَانَتْ النُّفُوس كِباراً ... تَعِبَت فِي مُرادِها الأَجسامُ
إِنَّ تجربة الضغط لَمْ تَكُن تهدف لتحطيمي، إنما كَانَتْ هِيَ الوسيلة لترسيخ حصانة الوَعْي لدي. لقد تعلمتُ أَنَّ اليقين لَا يكتمل إلا بالبلاء، وأَنَّ الرجوع إِلَى الفِطْرَة تقتضي شجاعةً فِي التخلي عَنْ الأوهام قَبْلَ الشجاعة فِي التمسك بالحقائق. إنني أضع هَذِهِ المحطة بَيْنَ يديك لتعلم أَنَّ النُّور الَّذِي تكتشفه فِي داخل الحصار هُوَ الَّذِي سيضيئ لك الدروب فِي فضاءات التحرر. إننا نعيش فِي المَادَّة لكننا لَا ننتمي إليها، وقوتنا الحَقِيقِيَّة تكمن فِي ذَلِكَ الاتصال الخفي بـ "الأصل الرباني" الَّذِي يَجْعَل مِنْ كُلّ ألمٍ معراجاً، ومِنْ كُلّ ضيقٍ اتساعاً فِي الرؤية والبصيرة.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.