من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية

فقرُ الإدارة وغنى البصيرة

19-10-2026

🔗 شارك المقال:واتسابفيسبوكXتيليغرام
فقرُ الإدارة وغنى البصيرة
أثناء تِلْكَ الفترة الَّتِي أسميها "الخلوة الإجبارية"، راقبتُ عَنْ كثب (الإدارة) وهِيَ تحاول بيأسٍ إعادة معايرة وعيي وثني إرادتي. وفجأة حدثت المفارقة الكبرى الَّتِي أكدت لي قوة التَّجْرِيد وعلوّ شأنه؛ فالسلطة الَّتِي تملكُ أدوات القمع لَمْ تمارس ضدي التحقيق التقليدي فحسب، إنما وجدتُها فِي لحظات صدقٍ نادرة تمارس "الإنصات العميق". لقد رأيتُ "السجان" فِي بَعْض المواقف يَتَحَوَّل إِلَى تلميذ صامت، تهتز أركان يقينه المَادِّيّ أَمَامَ جلال المعنى الَّذِي كَانَ يفيض مِنْ الكَلِمَات المستقاة مِنْ نور الفِطْرَة.
لقد كشفت لي تِلْكَ اللحظات أَنَّ المنظومات المَادِّيَّة، رغم كُلّ مَا تملكه مِنْ ترسانة وآليات، هِيَ فِي جوهرها "نظم فقيرة معلوماتياً"؛ إنها كيانات جائعة تبحث عَنْ قبسٍ مِنْ نور لَدَى تِلْكَ العقول الَّتِي تجرأت عَلَى اختراق حجب المَادَّة والوصول إِلَى اللب. إِنَّ اعتراف (الإدارة) بخطورة فكري كَانَ فِي عمقه اعترافاً بفقره الذاتي؛ فهُوَ يمتلك القدرة عَلَى تقييد الجسم (التَّشْخِيص)، لكنه يفتقر تماماً للقوة اللازمة للسيطرة عَلَى الوَعْي المشرق (التَّجْرِيد). هنا، تيقنتُ أَنَّ الحرية الحَقِيقِيَّة هِيَ ملكٌ لمِنْ يمتلك مفتاح الحَقِيقَة، لَا لمِنْ يمتلك مفتاح السجن؛ فالسجنُ الحَقِيقِيّ هُوَ سجنُ الجهل والتبعية، لَا سجنُ الجدران والقضبان. وتأكدت لي قوة الحق عندما أعلنت الإدارة إنحيازها له ورأت في فكري شيئا لا يتعارض مع أمنِّ المجتمع بل يضمن هذا الأمنَّ وسلامَتِه لأن هذا الفِكر كان مُنعتقاً من التَّبَعية للتشدُّد المذهبيّ المَقيت الذي قد تكون صَنَعَتهُ هي بذاتها لخدمة أهدافها وانقلب عليها وأصبح يهدد وجودها!
وكما عبّرَ أبي حامد الغزالي -رحمه الله- عَنْ غربة الرُّوح فِي سجن الجسم والمَادَّة، وصبرها الجميل عَلَى ألم الفراق عَنْ أصلها النُّورَانِيّ:
لَوْ يَعْلَمُ الْجِسْمُ مَا فِيهِ مِنْ الْأَلَمِ ... لَمَّا تَمَنَّى حَيَاةَ الرُّوح فِي الْقِدَمِ
والرُّوح فِـي غُـرْبَةٍ، وَالْجِسْمُ فِـي وَطَنٍ ... فَلْيَصْبِرِ القَلْب حَتَّى يَنْقَضِي الْأَلَم
لقد كَانَتْ تِلْكَ التجربة القاسية هِيَ أسمى مدرسة لتعلم التواضع أَمَامَ عظمة الخالق؛ حَيْثُ وجدتُ أَنَّ الإِنْسَان لَا يَكُون قوياً بجهته أو بجمعه، إنما بمدى اتصاله بالمصدر الأَوَّل ونقائه وصدقه. إِنَّ "الخلوة الإجبارية" لدى الإدارة لَمْ تَكُن حصاراً لفكري، إنما كَانَتْ اتساعاً لآفاقي؛ وأَنَّ النُّور الَّذِي تشعُّ به النَّفْس المستقلة كفيلٌ بأَنَّ يحول حَتَّى الجدران الصماء إِلَى نوافذ تطلُّ عَلَى الملكوت.
في تِلْكَ "الزِّيارَةِ"، صُودِرَ جهازُ الحاسوبِ الَّذي كنتُ أَحْتَفِظُ فيه بِكُلِّ كتاباتي، ولم يَبْقَ لي إلّا "قُرْصٌ مَرِنٌ" (فلوبي ديسك) يَحْمِلُ عناوينَ الأبحاثِ ومعلوماتٍ عامةً ومُكثَّفَةً تَخْلُو من التفاصيلِ. ومَعَ رَفْضِ طَلَبي باسْتِعادَةِ الحاسوبِ، ضَاعَ جُهْدُ عامٍ كاملٍ من البحثِ والكتابةِ. لَقَدْ كانَ لِذَلِكَ الفَقْدِ أثرٌ بَالِغٌ في نَفْسي، إذْ اجْتَمَعَ عَلَيَّ ضَغْطُ المُجتَمَع والسُّلْطَةِ وضياعُ نِتاجِ الفِكْرِ، ولم يُخَفِّفْ عَنِّي إلّا أَنَّ زَوْجَتي كانتْ لي خَيْرَ عَوْنٍ وسَنَدٍ بَعْدَ اللهِ.
وبَعْدَ سنواتٍ من هذه الحادثةِ، ومَعَ اسْتِمْراري في مَسِيرَةِ البحثِ والتأَمُّلِ، تَحَوَّلَ ذلك الأَسَفُ إلى مَصْدَرٍ للإيجابِيَّةِ؛ فَكُلَّما تَقَدَّمْتُ في مَضْمارِ الفِكْرِ، كُنْتُ أَتَجاوَزُ الكثيرَ من أفكاري السابقةِ، وأُعَدِّلُ في آرائي، مُكْتَشِفاً أبعاداً وتفاصيلَ أَعْمَقَ وأفضلَ مِمَّا فَقَدْتُهُ، حتَّى صِرْتُ أَحْمَدُ اللهَ على تلك الخَسارَةِ لِمَا جَلَبَتْهُ من مَنافِعَ فِكْرِيَّةٍ.
ولا أُنْكِرُ أَنَّ هذا المَنْهَجَ الدِّينامِيكِيَّ في التفكيرِ هو ما أَخَّرَ تَدْويني طويلاً؛ إذْ إنَّني -وحَتَّى كتابةِ هذه السُّطورِ- أَجِدُني أُطَوِّرُ وأُعَدِّلُ وأَنْقُدُ بَعْضَ ما وَصَلْتُ إليه. ولَوْلا إِصْرارُ زَوْجَتي وأَصْدِقائي على تَدْوينِ هذه الخُلاصاتِ الفِكّرية لَمَا فَعَلْتُ.
لِذَلِكَ، كُنْتُ حَريصاً وما زِلْتُ على تَنْبيهِ القارئِ عَدَمَ الِاعْتِدادِ التَّامِّ بِما سَيَقْرَؤُهُ أو الوقوفِ عِنْدَهُ؛ فَهذا العَمَلُ ليسَ إلّا بِدايةً مَعْرِفِيَّةً مختصرة، أَرْجُو أَنْ يَجِدَ الفِكْرُ مَنْ يَسْتَكْمِلُها ويُطَوِّرُها بِأَفْضَلَ مِمَّا قَدَّمْتُ.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
🔗 أعجبك المقال؟ شاركه:واتسابفيسبوكXتيليغرام

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.