من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية

خشيةُ الإدارة من عمق التجريد

18-10-2026

🔗 شارك المقال:واتسابفيسبوكXتيليغرام
خشيةُ الإدارة من عمق التجريد
كَانَ احتشاد تِلْكَ القوى أَمَامَ منزلي فِي تِلْكَ اللحظة الفاصلة يُمَثِّل فِي عمق وعيي "كثافة المَادَّة" بكُلّ ثقلها وجمودها، وهِيَ تحاول محاصرة "سيولة المعنى" فِي انطلاقه وتجرده. لقد وجدتُ حينها أَنَّ "الإدارة" لَمْ تَرَ فِيّ شخصاً يختلف معها فِي الرأي، وإنما رأت فِي هَذَا (العَقْل) الَّذِي "أحرق سفن التبعية" تهديداً حقيقياً للواجهات المذهبية الَّتِي تحرسها وتستمد منها بقاءها. إِنَّ الإدارة بطبيعتها تألف الصراعات التقليدية والمساجلات الكلامية لأنها تظل حبيسة "صندوق التَّشْخِيص" ولَا تهدد البِنْيَة العميقة للحقيقة الكُلِّيَّة.
أما عندما يَخْرُج (عقلٌ) مستقل ليعلن بملء فيهِ أَنَّ اللَّه "مطلق مجرد" يتجاوز كُلّ الصور والحدود، وأَنَّ الوُجُود كله "فيضٌ" نابعٌ مِنْ جلاله وأَنَّ الإِنْسَان كائنٌ "مستخلف" بالعِلْم والحِكْمَة لَا بمجرد الطقوس الجامدة فإِنَّ المنظومة تشعر بوجود "وعي تجريدي" حر يهدد بإسقاط أصنامها الدينية الذهنية الَّتِي نصبتها عبر القرون. إِنَّ خطورة البحث عَنْ الجوهر تكمن فِي أنه يسقط "الشرعية الزائفة" لكُلّ وسيط يحاول الوقوف بَيْنَ العبد وربه؛ فمِنْ ينجح فِي الاتصال بالمصدر الأَوَّل مباشرة، لَمْ يعد بحاجة إِلَى وصاية مذهبية أو توجيهات خارجية ليعرف وجهته الوجودية الصحيحة.
وكما قَالَ الفيلسوف الحَكِيم ابن رشد، مؤصلاً لوحدة الحَقِيقَة وتوافق (العَقْل) مَعَ الوَحْي: "الحَقّ لَا يضاد الحَقّ، إنما يوافقه ويشهد له". ومِنْ هنا كَانَتْ خشيتهم الحَقِيقِيَّة؛ لأنهم استشعروا أَنَّ الحَقِيقَة الصافية الَّتِي أسعى للوصول إليها ستكشف زيف الموازين الَّتِي وضعوها للسيطرة.
ولعل خير مَا يصور هَذَا التباين بَيْنَ ضيق الحصار وسعة النُّور الداخلي، قول الشاعر الَّذِي أدرك أَنَّ الحَقّ لَا يُحبس بالجدران:
لَوْ حاصرونا بألفِ سدٍّ وحائطٍ ... سَيظلُّ نورُ الحَقّ فينا يسطعُ
فالرُّوح أبعدُ مِنْ قيودِ مآربٍ ... والقَلْب صَفْوٌ، والمقاصدُ ترفعُ
لقد كَانَ ذَلِكَ الحصار هُوَ شهادة الميلاد الحَقِيقِيَّة لفكري الَّذِي قرر ألا ينحني إلا للحق، وألا يستمد يقينه إلا مِنْ المصدر الرباني الأصيل. إِنَّ البحث عَنْ الحقيقة والجوهر هُوَ رحلة نحو الحرية الَّتِي لَا تُمنح بل تُكتشف فِي أعماق النَّفْس حِينَ تتطهر مِنْ الأغيار وتتصل بفيض الرحمة الَّذِي لَا ينقطع.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
🔗 أعجبك المقال؟ شاركه:واتسابفيسبوكXتيليغرام

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.