من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
الزيارة الفاصلة واستجابةُ المنظومةِ الدفاعيةِ تجاهَ الوَعْي المتفرد
18-10-2026
لَمْ تَكُن المواجهة الَّتِي خضتُ غمارها فِي عام 1998 مَعَ مَا أسميه "الإدارة" مجرد احتكاك عابر مَعَ أفراد أو جهات، وإنما كَانَتْ فِي عمقها "صِداماً" بَيْنَ سلطة التَّشْخِيص المَادِّيّ الَّتِي تسعى لقولبة الإِنْسَان، وسلطة التَّجْرِيد المستقل الَّتِي تسعى لتحريره. إِنَّ الحدث الَّذِي استقر فِي وجداني بوصفه "الزيارة الفاصلة" لَمْ يَكُن إجراءً روتينياً، إنما كَانَ فِي حقيقته "استجابة دفاعية" تلقائية أطلقتها المنظومة تجاه وعيٍ بدأ ينمو فِي أحشائها، مهدداً بكسر رتابة القيود الَّتِي تفرضها عَلَى العقول لضمان بقائها.
عندما اتخذتُ قراري بتصفير الموازين والبحث عَنْ "الجوهر النقي" -تِلْكَ الحَقِيقَة الكامنة فِي أصل الوُجُود بعيداً عَنْ أوصياء المعنى- كنتُ أعلنُ ضمناً حالة "الاتصال المباشر" بنظام الوُجُود الأَوَّل. وهَذَا الفِعْل فِي ميزان السيطرة المَادِّيَّة، يُعدُّ الفِعْل الأكثر خطورة؛ لأَنَّ النسق التقليدي يستمد استقراره مِنْ إبقاء "العقول" فِي منطقة التَّشْخِيص، حَيْثُ يكتفي النَّاس برؤية القشور وتجليات الواقع كمَا تُملى عليهم بينما يُمَثِّل البحث عَنْ "اللبُ" والجوهر اختراقاً لطبقات الوهم الكَثِيفَة للوصول إِلَى مصدر الحِكْمَة الإلهية مباشرة. إِنَّ الوَعْي الَّذِي يتجاوز الأشخاص ليخاطب القوانين الكُلِّيَّة يُصْبِح وعياً غير قابل للاحتواء، وهَذَا مَا استدعى ذَلِكَ الرد الدفاعي مِنْ الإدارة!
لقد كشفت لي تِلْكَ (الزيارة الخاطفة) أَنَّ الخوف مِنْ " التجَرُّد" هُوَ المحرك الأساسي لكُلّ بنية تسعى للجمود؛ فالتحرر والتجرُّد يمنح الإِنْسَان طمأنينة الاستقلال، بينما التَّشْخِيص يبقيه فِي قلق التبعية. ومِنْ هنا أيقنتُ أَنَّ رحلتي نحو التَّجْرِيد لَمْ تعد ترفاً وإنما صَارَتْ ضرورة وجودية للحفاظ عَلَى نقاء النَّفْس مِنْ التلوث بالصراعات البشرية الضيقة. إِنَّ المواجهة مَعَ (الإدارة) لَمْ تزدني إلا إصراراً عَلَى أَنَّ الحَقّ لَا يَحْتَاج إِلَى حراس، إنما يَحْتَاج إِلَى "قلوب" تجرأت عَلَى النظر وَرَاءَ الستار لتُدْرِك جلال المصدر وعظمة الفِطْرَة المستقلة.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.