من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية

الإدراكُ صلةٌ مباشرةٌ بالمطلق

17-10-2026

🔗 شارك المقال:واتسابفيسبوكXتيليغرام
الإدراكُ صلةٌ مباشرةٌ بالمطلق
فِي هَذِهِ المرحلة مِنْ رحلتي، بدأت نفسي تتَحَوَّل مِنْ مجرد مستوعبٍ لبيانات الموروث وتراكمات التاريخ إِلَى نفسٍ تسعى لفهم أصول النظام الكَوْنِيّ الَّذِي أودعه اللَّه فِي الوُجُود. لَمْ يعد يشغلني مقدار مَا أحفظ مِنْ أقوالٍ أو مَا أجمع مِنْ نصوص، بقدر مَا كَانَ يحييني تأمل "الجوهر" الَّذِي يَرْبِط هَذِهِ الأجزاء ببعضها. لقد كَانَ التحرر مِنْ الأثقال المذهبية بمثابة الانعتاق مِنْ جاذبيةٍ كَانَتْ تشد النَّفْس إِلَى الأسفل، وتمنعها مِنْ الترقي فِي معارج المَعْرِفَة الصافية. إِنَّ هَذَا السمو لَمْ يَكُن رغبةً فِي العلو بل كَانَ حاجةً فطرية لاستنشاق هواء الحَقِيقَة بعيداً عَنْ زحام الآراء المسبقة.
عندما بدأتُ فِي تصفية موازيني الإِدْرَاكِيَّة بكُلّ هدوء وتجرد تجلى لي بوضوح أَنَّ "اللَّه" -عز وجل- أعظم وأجل مِنْ أَنَّ يُحصر فِي جهة أو يُسجن فِي صورة ذهنية محددة أو يُختزل فِي فهُمْ بشرّيٍ ضيق. إنه "المحيط" الَّذِي تذوب فيه كُلّ الظنون، وتتلاشى عِنْدَ عظمته كُلّ الأغيار. إِنَّ الانتقال مِنْ التبعية للأشخاص إِلَى الاستقلال بالحَقّ هُوَ لبُّ مَا أدعو إليه فالإِنْسَان الَّذِي يتصل بربه اتصالاً مباشراً هُوَ الَّذِي يمتلك شجاعة أَنَّ يَكُون "واحداً" بصدقه، ثابتاً أَمَامَ كثرة الصور المشخصة الَّتِي تملأ الآفاق مستنداً فِي كُلّ خطوة إِلَى الحَقِيقَة الوَاحِدَة الَّتِي لَا تحول ولَا تزول. وكما ذكر الحَكِيم ابن عربي -رحمه الله- فِي إشارته إِلَى تجرد الحَقّ: "الحَقّ مِنْ حَيْثُ هُوَ حق لَا مدخل فيه للأغيار".
ولعلَّ مَا يعبر عَنْ هَذِهِ الحالة مِنْ التواضع أَمَامَ عظمة الوَاحِد، ووضوح الرؤية عِنْدَ سقوط الوسائط، قول الشاعر الَّذِي أدرك أَنَّ اللَّه يتجلى فِي كُلّ شيء لمِنْ صفَت رؤيته:
تأملْ فِي نباتِ الأَرْض وانظرْ ... إِلَى آثارِ مَا صنعَ المليكُ
عيونٌ مِنْ لجينٍ شاخصاتٌ ... بأحداقٍ هِيَ الذهبُ السبيكُ
عَلَى قُضُبِ الزبرجدِ شاهداتٌ ... بأَنَّ اللَّه لَيْسَ لهُ شريكُ
لقد وجدتُ حينها أَنَّ العِلْم الحَقِيقِيّ هُوَ الَّذِي يزيد المرء إجلالاً للخالق وانفتاحاً عَلَى خلقه، لَا الَّذِي يورثه تعصباً أو انغلاقاً. إِنَّ الاستقلال الَّذِي أتحدث عنه هُوَ استقلال "البصيرة" الَّتِي تَرَى بنور اللَّه، وتتعامل مَعَ النَّصّ الإلهي كدليلٍ هادٍ فِي رحلةٍ لَا تنتهي نحو الكمال الإنساني. إننا لَا نصنع الحَقِيقَة، إنما نكشف عنها الحجب بقلوبٍ خاضعة وعقولٍ متفكرة لكَيْ نعيش الاسْتِخْلَاف فِي أبهى صوره وأبسط معانيه.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
🔗 أعجبك المقال؟ شاركه:واتسابفيسبوكXتيليغرام

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.