من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية

الرجوعُ إلى نقطة الصفر

16-10-2026

🔗 شارك المقال:واتسابفيسبوكXتيليغرام
الرجوعُ إلى نقطة الصفر
بَعْدَ تِلْكَ السنوات الطويلة الَّتِي قضيتُها فِي مراقبة "الفجوة الأَخْلَاقِيَّة" العميقة وفحص "المخطوطات الصامتة" الَّتِي لَا تَجِد مَنْ ينصفها، وصلتُ فِي عام 1997 -وقد بلغتُ مِنْ العمر الخامسةَ والعشرين -إِلَى نقطة اللاعودة؛ تِلْكَ اللحظةِ الَّتِي أدركتُ فيها أَنَّ البقاءَ فِي المرفأ القَدِيم هُوَ الشركُ بعينه. لَمْ يَكُن قراري بالانعتاق مِنْ القوالب الجاهزة واعتزال المذاهب والجماعات مجرد تمرد فكري عابر أو رغبة فِي التمايز، إنما كَانَ "انفجاراً داخلياً" حتمياً أمْلَتهُ قوانين الحَقِيقَة الَّتِي لَمْ تعد تحتمل ضيق "الأوعية المذهبية". لقد وجدتُ بيقينٍ تام أَنَّ كُلّ مَا تمَّ تزويدنا به فِي تِلْكَ المحاريب التقليدية كَانَ عبارة عَنْ موازين مختلة؛ أدوات قياس صُممت سلفاً لتعطي نتائج تخدم بقاء "المؤسسة الدينية" وتعزز سلطة "النخبة"، لَا لخدمة جلاء "المصدر الإلهي" فِي قلوب النَّاس.
لقد اكتشفتُ أَنَّ (العَقْل) الجمعي يعاني مِنْ حالة تضخم مرعب فِي "التَّشْخِيص"؛ حَيْثُ ينشغلُ كُلّ طرفٍ بصورته المحدودة، ويَرَى فِي مذهبه النسخة المرجعية الوحيدة والنهائية للحق، بينما يُصنف الآخرين كأنماط مِنْ الانحراف يَجِب تقويمها أو إقصاؤها. هَذَا التشرذم المقيت جعلني أوقن أننا فِي الحَقِيقَة لَا نتوجه بقلوبنا نحو اللَّه "المُطْلَق المجرد"، إنما نتوجه نحو صور ذهنية بشرية شوهتها صراعات التاريخ وأثقلتها أهواء الرجال الذين خلقوا لله -سبحانه- صورة توافق ادراكهم المشخص. ومِنْ هنا وُلد ذَلِكَ القرار الجسور بالتصفية الشاملة لكُلّ موروث لَمْ يصمد أَمَامَ برهان الرُّوح والرجوع إِلَى "نقطة الصفر النقيّة" لاستقبال أنوار الوَحْي دون وسيط أو غبار.
وكما قَالَ المتنبي معبراً عَنْ شموخِ الإرادة فِي طلبِ الحَقّ والترفعِ عَنْ سجنِ المألوف:
ذَريني أَنَل مَا لَا يُنالُ مِنْ العُلى ... فَصَعْبُ العُلى فِي الصَّعْبِ وَالسَّهْلُ فِي السَّهْلِ
تُريدينَ لَقْيانَ المَعالي رَخيصَةً ... ولَا بُدَّ دونَ الشَّهْدِ مِنْ إِبَرِ النَّحْلِ
إِنَّ حرق السفن القَدِيمَة كَانَ ضرورة لكيلا تلتفت النَّفْس إِلَى الوراء، ولِكَيْ يبدأ بناء الذات عَلَى أسس مِنْ "التَّجْرِيد" المُطْلَق الَّذِي يحرر الإِنْسَان مِنْ ربقة "تأليه الأشخاص" ويضعه فِي مواجهة مباشرة مَعَ كماله الاستخلافي. لقد كَانَ عام 1997 هُوَ عام التحرر مِنْ "الجاذبية المذهبية"، والانطلاق نحو فضاء الوَعْي الَّذِي لَا تحدّه جدران، ولَا تقيده موازين البَشَر القاصرة، إنما يزنه ميزان الحَقّ الإلهي الصافي. إننا لَا نهدم لنبقى فِي العراء، إنما لنفسح المجال لنور الفِطْرَة أَنَّ يشرق مِنْ جَدِيد، بعيداً عَنْ ضجيج الأفكار المشخصة الَّتِي حجبت عنا رؤية وجه الحَقّ.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
🔗 أعجبك المقال؟ شاركه:واتسابفيسبوكXتيليغرام

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.