من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
من ترميم الماضي إلى الوعي المستقل
15-10-2026
أيها القَلْب الساعي مثلي نحو الحَقِيقَة، إِنَّ غايتي القصوى مِنْ هَذَا السرد لَيْسَ مجرد استعراضٍ لتجربة شخصية، إنما القصدُ أَنَّ أضع بَيْنَ يديك "آلية التحقق" الَّذِي صهرتُها فِي أتون المعاناة والبحث، واستخدمتُها لاحقاً لتفكيك أصنام التَّشْخِيص الَّتِي جثمت عَلَى صدورنا طويلاً. إِنَّ المخطوطة فِي نظري هِيَ "البيان الأصلي" الصافي قَبْلَ أَنَّ يتراكم عليه غبار التفسيرات المذهبية، وقَبْلَ أَنَّ تُثقله أوهام الصراعات البشرية. لقد تعلمتُ أَنَّ أزيل هَذَا الغبار بدقةٍ متناهية، لَا مِنْ باب العداء للتراث، إنما كباحث عَنْ الجودة يبحث عَنْ الجوهر النقي الَّذِي ضاع وسط الزحام.
لقد كَانَ الشيخ الألباني -رحمه اللَّه- يبذل جهداً مضنياً فِي "ترميم البيت القَدِيم" وتصفيته مِنْ الدخيل، بينما كَانَتْ تِلْكَ المخطوطات توحي إليَّ، برمزيتها العميقة، بضرورة تأسيس كيان إنساني جَدِيد تماماً؛ إِنْسَان يقوم فِي قاعدته عَلَى علوّ التَّجْرِيد ونفي كُلّ أشكال التقديس للبشر أو الأفكار المشخصة. إنني أدعوك اليَوْم مِنْ موقعك الإنساني الفريد ألا تقبل الحقائق المعلبة الَّتِي تُقدَّم إليك كمسلمات بل كن مراقباً ماهراً لنفسك تفكك أدوات وعيك وتدقق فِي الأصول الأُولَى لفطرتك الَّتِي لَمْ يطمسها التلقين.
تذكر دائماً أَنَّ الحَقِيقَة لَا تكمن فيما "قيل" بحروفه الجامدة، إنما فِي "الغاية الكُلِّيَّة الَّتِي وُضع لأجلها القَوْل". ومِنْ هَذِهِ النقطة الجوهرية، بدأتُ عملية "تصفير عدادات التلقين" فِي وجداني، لأتفرغ تماماً لوضع اللبنات الأُولَى فِي البناء النهائي للإنسان الخليفة الرباني؛ ذَلِكَ الإِنْسَان الَّذِي يتحرك بجلال الإتقان وعظمة اليقين، بعيداً عَنْ ضياع العمر فِي جزئيات التَّشْخِيص الَّتِي لَا تنفع ولَا تبني حضارة. إننا لَا نرمم جدراناً تداعت، إنما نفتح آفاقاً لروحٍ خُلقت لتمخر عباب الملكوت بوعيٍ مجرد وقوةٍ مستقلة لَا تعرف الانكسار.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.