من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية

الزمنُ ميزانُ الحقّ

14-10-2026

🔗 شارك المقال:واتسابفيسبوكXتيليغرام
الزمنُ ميزانُ الحقّ
كَانَتْ مرافقتي للشيخ فِي رحلاته العلمية الدؤوبة إِلَى مدن الأردن المختلفة، وجلوسي الهادئ فِي المقعد الخلفي لسيارته، بمثابة جلسات توافق عميقة مَعَ "عقل" يَعْمَل بصرامة ميكانيكية فائقة، تشبه فِي دقتها صنعة الساعاتي الحاذق التي كان يتمتع بها الشيخ الألباني رحمه الله. لقد وجدتُ حينها أَنَّ الشيخ لَمْ يترك مهنته الأُولَى فِي إصلاح الساعات خلفه، إنما نقل "فلسفة الدقة الميكانيكية" مِنْ عالم التروس والمعدن إِلَى "فلسفة الحديث" وعالم الرواية. كَانَ يبحث عَنْ الخلل فِي السند بدقة المجهر، لَا يقبل أَنَّ يفوت عليه ترس مكسور أو برغي مرتخٍ فِي آلة النقل التاريخي، وهَذَا مَا جعلني لاحقاً أطوِّع هَذَا المنطق الصارم في بناء هَذِهِ الفَلْسَفَة؛ فإِذَا كَانَ إصلاح رواية واحدة يتطلب كُلّ هَذِهِ الهندسة الدقيقة والجهد المضني، فكيف يَكُون الحال عِنْدَ محاولة إصلاح "الوَعْي الإنساني" وترميم النَّفْس الإِنْسَانِيَّة؟
لقد كَانَتْ تِلْكَ المخطوطات والرحلات هِيَ المعلم الصامت الَّذِي أخبرني أَنَّ خَلْفَ كُلّ رواية تُمَثِّل حالة مِنْ التَّشْخِيص المَادِّيّ والمرتبط بالأشخاص، يكمن منهج كلي مِنْ التَّجْرِيد يُمَثِّل القانون الَّذِي يحكم صحة الوُجُود. تعلمت أَنَّ الانشغال بالأشخاص (المشخصات) دون القوانين الحاكمة (المجردات) هُوَ ضياع محقق فِي ممرات التيه؛ فالراوي فِي علم الحديث هُوَ "ترس" فِي ساعة المَعْرِفَة، وقيمته تكمن فِي مدى انضباطه مَعَ القانون الكُلِّيّ للصدق والضبط، ولَيْسَ فِي هويته الشخصية. ومِنْ هنا بدأت أرى الوَعْي الإنساني كمنظومة تحتاج إِلَى "معايرة" دقيقة لتعود إِلَى مقامها الفطري الأصيل بعيداً عَنْ التشوهات الَّتِي أحدثها الركام التاريخي.
إِنَّ فلسفتي الَّتِي ولدت مِنْ رحم هَذِهِ الدقة، تؤمن بأَنَّ ترميم الوَعْي يبدأ مِنْ فحص "قوانين الإِدْرَاك" لدينا أَيُّ كيف نفهم؟ وكيف نحلل البيانات الربانية والكَوْنِيَّة؟ لقد نقلتُ عدسة الساعاتي مِنْ فحص عقارب الزَّمَن إِلَى فحص "محركات اليقين" فِي القَلْب. إِنَّ السيادة الحَقِيقِيَّة تتطلب منا أَنَّ نكون مهندسين لأنفسنا، نميز بَيْنَ "الصوت" الأصيل للوحي وبَيْنَ "الضجيج" الَّذِي أحدثه التَّشْخِيص البشري عبر القرون. إننا بحاجة إِلَى استعادة "تجريد" القوانين الإلهية العليا مِنْ قيودها المَادِّيَّة الدنيا لتَعْمَل ساعة الوَعْي لدينا بتوافق تام مَعَ نبض الملكوت، محققة بذَلِكَ الاتصال الأكمل بالمصدر الَّذِي لَا يخطئ ميزانه أبداً.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
🔗 أعجبك المقال؟ شاركه:واتسابفيسبوكXتيليغرام

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.