من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
جغرافيا الحبر الأول ونطقُ الينبوع بصمت الحقيقة
13-10-2026
فِي ردهات مكتبة الشيخ المزدحمة، وأَمَامَ تِلْكَ الرفوف المثقلة بالمخطوطات الَّتِي تفوح منها رائحة المَعْرِفَة الخام، بدأت تتشكل فِي وعيي ملامح الفارق الجوهري بَيْنَ التَّشْخِيص وبَيْنَ التَّجْرِيد. لقد وجدتُ أَنَّ الكِتَاب المطبوع والمنقح لَيْسَ إلا صورة نهائية جاهزة للاستهلاك، فهُوَ يُمَثِّل حالة مِنْ الاستقرار الزائف، أما المخطوط فهُوَ الينبوع الأَوَّل الَّذِي قد يَكْشِف لنا كواليس الحَقِيقَة قَبْلَ أَنَّ تتدخل فيها أيدي المنسقين وتعدلها آراء العلماء. إِنَّ رؤيتي للحبر القَدِيم، وتأملي لتصحيحات النساخ فِي الحواشي زرع فِي روعي الصَّغِير حقيقة كبرى؛ وهِيَ أَنَّ اليقين التراثي الَّذِي يتبجح به الكثيرون هُوَ فِي واقعه يقين هش، مَا لَمْ يمر بمرحلة التنقية الصارمة.
لقد كَانَتْ تِلْكَ المخطوطات تهمس فِي أعماقي بأَنَّ النَّصّ الَّذِي نقدسه اليَوْم كبناء صلب ومكتمل، كَانَ يوماً مَا بحثاً قلقاً عَنْ موثق، وصراعاً إنسانياً بَيْنَ النسيان والتدوين. هَذَا الرصد الدقيق هُوَ الَّذِي أنبت فِي وجداني أولى بذور الاستقلال المعرفي؛ فالقَلْب (العَقْل) المستقل لَا يقبل المعلومة لمجرد أنها قَدِيمَة أو محاطة بهالة مِنْ القداسة التاريخية، إنما لأنه يمتلك القدرة عَلَى معايرتها بميزان الحَقّ والمنطق الأصيل من غير أن يخضعها لآراء الأولين بالضرورة. هنا نجد أَنَّ التَّشْخِيص يتجلى فِي الركون إِلَى القوالب الجاهزة والنسخ المكررة، بينما يُمَثِّل التَّجْرِيد تِلْكَ العَمَلِيَّة التأسيسية الَّتِي يقوم بها الوَعْي للعودة إِلَى الأصول، وتفكيك الطبقات البشرية الَّتِي تراكمت فَوْقَ الشيفرة الربانية الصافية.
إِنَّ التعامل مَعَ المخطوطات علمني أَنَّ المَعْرِفَة لَيْسَتْ مجرد نقل، إنما هِيَ مسؤولية أخلاقية تتطلب فحصاً لكُلّ ذرة مِنْ ذرات المعلومة قَبْلَ اعتناقها. لقد تحول الوَعْي لدي مِنْ "متلقٍ" يبحث عَنْ الأمان فِي التقليد، إِلَى "باحث" يغوص فِي أعماق المصادر. ومِنْ هنا بنيت فلسفتي عَلَى أَنَّ السيادة الإِنْسَانِيَّة لَا تتحقق إلا بامتلاك شجاعة النقد، واليقين بأَنَّ الحَقِيقَة لَا تُمنح كهدية مغلفة، إنما تُنتزع عبر رحلة شاقة مِنْ التَّجْرِيد الَّذِي يخلص الرُّوح مِنْ أوهام المَادَّة والتبعية العمياء.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
2026-10-13 22:17:52