من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
علاقتي بالشيخ الألباني -رحمه الله- وساعة الوَعْي الدِّينِيّ التقليدي
13-10-2026
أيها القلب الباحث فِي ثنايا المعنى إِنَّ جيرتي للشيخ الألباني -رحمه اللَّه- لَمْ تَكُن مجرد تقارب جغرافي عَلَى مسافة مائتي متر فقط! وإنما كَانَتْ تموضعاً وجودياً فِي قلب أحد أهم مراكز صناعة (الفكر) الدِّينِيّ التقليدي فِي العصر الحديث. فِي تِلْكَ المرحلة الباكرة، وأَنَا لَمْ أتجاوز الثانية عشرة مِنْ عمري، وجدت نفسي أدخل ميداناً معرفياً مِنْ نوع فريد؛ حَيْثُ أنه في الظاهر لَا تُعامل المعلومات كحقائق مطلقة لمجرد قِدَمها، إنما تُعامل كشهادات تحتاج إِلَى تزكية، وروايات لَا تكتسب شرعيتها إلا عبر نقد صارم وبحث دؤوب عَنْ جذرها الأصيل. لكن في الحقيقة كانت عملية البحث ذاته عبارة عن فخ تم صناعته بطريقة معقدة ليبدو انه أداة صارمَة لمحاكمةِ النصوصّ بَينما هو أداة لِشَرّعَنتها وتمريرها في أغلبِ الأحيان.! فخ يوهمك أَنَّ المَعْرِفَة الموروثة مادة أولية تخضع لعملية فحص دقيق قَبْلَ أَنَّ تستقر فِي الوجدان كحقيقة يقينية.
إِنَّ دروسي الحَقِيقِيَّة بجوار الألباني -رحمه الله- لَمْ تَكُن تِلْكَ الَّتِي ألقاها فِي محاضراته العَامَّة، إنما كَانَتْ دروساً صامتة راقبتُ فيها قوانين (العَقْل) الفاحص لَدَى الشيخ الذي كانت صنعته بالأصل "ساعاتي". رأيته وهُوَ يفكك آلاف الروايات ليعيد بناء "ساعة الوَعْي الدِّينِيّ التقليدي" بقطع أثرية، مستبعداً كُلّ ترس أو راوٍ مشكوك فِي نزاهته أو ضبطه. هنا بدأت أدرك خطورة عملية التَّشْخِيص الَّتِي أصابت الفِكْر التاريخي؛ حَيْثُ تراكمت الأوهام البشرية وتكثفت الأنا التاريخية فَوْقَ النُّصُوص، مما حولها مِنْ أنوار مجردة إِلَى قوالب مادية مثقلة بالعلل. لقد كَانَتْ المخطوطات والبحث فِي الأسانيد فِي نظري هِيَ الأدوات الَّتِي تمكننا مِنْ ممارسة التطهير المعرفي؛ أَيُّ تخليص الحَقِيقَة مِنْ شوائب التَّشْخِيص الَّتِي ألحقها بها الرواة عبر العصور، لكنني اكتشفت ان ما نفعله ليس الا اطلاق أحكام ظنية على الأسانيد والمتون نفرضها على المجتمعات المغيبة على انها حقائق مطلقة!
انَّ التدين الحَقِيقِيّ يقتضي حالة مِنْ التَّجْرِيد السامي، حَيْثُ نتجاوز عواطفنا الجياشة لنصل إِلَى الجوهر الصافي الَّذِي لَا يأتيه الباطل مِنْ بَيْنَ يديه ولَا مِنْ خلفه. إِنَّ الصمت الَّذِي كَانَ يخيم عَلَى ساعات البحث الطويلة فِي مكتبة الشيخ كَانَ يهمس فِي أذني: "لَا تَكُن وعاء لكُلّ مَا يُصبُّ فيه، بل كن مصفاة لَا تعبر منها إلا الحَقِيقَة المجردة". ومِنْ هنا، نبتت فِي وعيي بذور الفَلْسَفَة الَّتِي أقدمها اليَوْم؛ حَيْثُ السيادة لَا تَكُون إلا للبرهان، والارتقاء لَا يَكُون إلا بالتحرر مِنْ زحام الأفكار المشخصة الَّتِي حجبت عنا رؤية نور اللَّه المتصل بملكوت السَّمَاوَات والأَرْض. لقد كَانَتْ تِلْكَ التجربة هِيَ تمرين الرُّوح الأَوَّل عَلَى فك شيفرات الوُجُود بعيداً عَنْ ضوضاء التلقين الأعمى.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.