من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
استردادُ الأمانة والانعتاقُ من سجن التشخيص إلى التجريد
12-10-2026
أريدُ مِنْ كُلّ عقلٍ يبحرُ فِي هَذِهِ الكَلِمَات، أياً كَانَ منبعهُ أو وجهتُهُ، أَنَّ يُدْرِك يقيناً أَنَّ استعادةَ "أمانةِ الاسْتِخْلَاف" الكبرى تقتضي بالضرورةِ تجاوزَ حدودِ الحرفِ الجامدِ للوصولِ إِلَى جوهرِ الرُّوح الحية. إِنَّ تِلْكَ الفجوةَ المريرةَ الَّتِي نشهدُها اليَوْم فِي واقعِنا المعاصر، والَّتِي تتجلى فِي انفصالٍ حادٍ بَيْنَ التدينِ الشكليِّ المفرطِ وبَيْنَ الانهيارِ الأَخْلَاقِيّ المقلق، لَيْسَتْ إلا برهاناً ساطعاً عَلَى غرقِنا فِي "التَّشْخِيص" المَادِّيّ وضياعِنا فِي قشورِ المظاهرِ الَّتِي لَا تسمنُ ولَا تغني مِنْ جوع. إننا فِي حاجةٍ ماسةٍ إِلَى ثورةٍ تجريديةٍ شاملة، تهدفُ إِلَى إعادةِ الإِنْسَان إِلَى فطرتِهِ النُّورَانِيَّة المستقلة، بعيداً عَنْ قيودِ المحاكاةِ والتبعيةِ العمياءِ الَّتِي حوّلتْ الجوهرَ إِلَى عرضٍ زائل.
إِنَّ المهمةَ الوجوديةَ الَّتِي تقعُ عَلَى عاتقِنا اليَوْم هِيَ الانتقالُ مِنْ ممارسةِ "تأليهِ الفَهْم الإنسانّيّ" وتجميدِ الحَقِيقَة فِي حقبٍ زمنيةٍ غابرة، إِلَى رحابِ "تدبرِ الشيفرةِ الربانيِّة" التي تتسمُ بالحيويةِ والشمولِ والقدرةِ عَلَى مخاطبةِ كُلّ سقف معرفي في كل زمان. ان الصدمة الَّتِي عشتُها فِي تِلْكَ المحاريبِ القَدِيمَة لَمْ تَكُن مجردَ خيبةِ أملٍ عابرةٍ، إنما كَانَتْ الشرارةَ الَّتِي أطلقتْ رحلتي نحو الحَقِيقَة الصافية؛ تِلْكَ الحَقِيقَة الَّتِي لَا تطالُها الأبصارُ الغارقةُ فِي "التَّشْخِيص" المَادِّيّ والتجسيمِ الفِكْرِيّ، إنما تلامسُها القلوب الَّتِي تحررتْ مِنْ الأغيارِ وأخلصتْ وجهَها للمطلقِ فِي حالةٍ مِنْ "التَّجْرِيد" السامي.
مِنْ قلبِ هَذِهِ الفجوةِ الأَخْلَاقِيَّة، شرعتُ فِي بناءِ جسرٍ فَلْسَفِيّ ومعرفيٍّ نحو "الكمالِ الأَنْطُولُوجِيّ"، مؤسساً لمدرسةٍ لَا تسمحُ بالضياعِ فِي متاهاتِ الجزئياتِ وتفاصيلِ التَّشْخِيص المملةِ، إنما تشرقُ فيها أنوارُ اليقينِ بجلالِ التنزيهِ وعظمةِ الكائنِ الإنسانيِّ فِي حالتهِ الأصيلة. إِنَّ الغايةَ مِنْ هَذِهِ الفَلْسَفَة هِيَ تحويلُ الوَعْي مِنْ مجردِ وعاءٍ للبياناتِ الصماءِ إِلَى طاقةٍ خلاقةٍ تُدْرِك أَنَّ الوُجُود كلهُ يسبحُ فِي فيضِ الرحمةِ الإلهية، محققاً الوحدةَ بَيْنَ استقامةِ الفِكْر ونبلِ الممارسة. إِنَّ استعادةَ السيادةِ المعرفيةِ تعني أَنَّ يعودَ الإِنْسَان "حنيفاً متجرداً"، يَرَى فِي الوَحْي نوراً يُستضاءُ به لبناءِ ذاته وعمارتها وتزكيةِ النَّفْس، لتَكُون صرخةُ "سبحانك" هِيَ النغمةَ الَّتِي تُعيدُ ضبطَ إيقاعِ الوُجُود بتمامِ الجمالِ والكمال.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.