من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
من ضيق الحرف إلى رحابة المعنى
11-10-2026
فِي وسط تِلْكَ المجالس الَّتِي كَانَتْ تضج بالنقاشات حَوْلَ "الاستواء" و"النزول" و"الصفات" برؤية بشرية غارقة فِي التَّشْخِيص الجسمي، كنت أشعر بفقر روحي مدقع. فبينما كَانَتْ الأمة مِنْ حولنا تئن تَحْتَ وطأة الجهل والتبعية والتمزق، كَانَ العِلْم الَّذِي يقدم لنا لَا ينفع فِي تغيير "الحالة الترددية" للروح، إنما كَانَ يكتفي بشحن الذاكرة ببيانات ميتة لَا حياة فيها ولَا فاعلية لها فِي الواقع. لقد غاب عَنْ تِلْكَ المحافل أَنَّ جوهر الاتصال بالسَّمَاء لَا يكمن فِي حصر الإله داخل تصورات مادية أو قوالب لغوية جامدة، إنما فِي الارتقاء بالوَعْي الإنساني ليَفْهَم مراد اللَّه وَرَاءَ الكَلِمَات.
هنا وجدتُ أَنَّ المكانة الاستخلافية الحَقِيقِيَّة الَّتِي خلقنا لأجلها هِيَ رفعة "المعنى" عَلَى "الكلمة"، وسيادة "الرُّوح" عَلَى "المَادَّة ". لقد أرادوا مني أَنَّ أكون مجرد "مقلدٍ" يكرر مَا قيل، وناقلاً لأفكار تجمدت عِنْدَ حدود التَّشْخِيص المَادِّيّ للوحي، بينما كَانَ فؤادي يخبرني بيقين أنني خلقت لأكون "مستخلفا ربانيا" يبني صروح الوَعْي الجَدِيد. في هذه الفلسفة فإِنَّ المُستَخْلَف هو الإنسان الذي تَمَثَلَ الآية الكريمة ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.. ﴾ ﴿٣٠ البقرة﴾ أي أنه "الإِنْسَان الرباني" الذي يحقق مفهوم "الإستخلاف الرباني" بأن يكون خليفة للرب الذي استخلفه ليحقق مقامه في الأرض وعلى ذلك فهو لَا يُصنع فِي مصانع التكرار الَّتِي تنتج نسخاً متشابهة مِنْ العقول المسجونة، إنما يولد فِي ميادين التَّجْرِيد والتدبر الصادق الَّذِي يحرر الإِنْسَان مِنْ قيود الزَّمَان والمَكَان ويصله بربه الأعلى.
إِنَّ السيادة الحَقِيقِيَّة تبدأ حينما ندرك أَنَّ اللَّه أخبرنا عَنْ صفاته لنبصر نوره فِي ملكوته، لَا لنحبس (ذاته) فِي أوهامنا وتشبيهاتنا. لقد كَانَ علي أَنَّ أختار بَيْنَ البقاء فِي زحام الحكواتية الَّذِينَ يقدسون "المشخص" والظَّاهِر، وبَيْنَ الانطلاق نحو فضاء التَّجْرِيد حَيْثُ تلتقي الرُّوح بخالقها فِي حوار كوني لَا ينتهي. هَذِهِ الصرخة لَمْ تَكُن تمرداً عَلَى الدِّين، إنما كَانَتْ بحثاً عَنْ جوهره النُّورَانِيّ الَّذِي طمره غبار التلقين، وتوقاً لبناء جيل يَرَى فِي الوَحْي طاقة بناء لَا تنضب، وقوة تغيير تتجاوز حرفية النُّصُوص نحو عمق المقاصد الإلهية الكبرى.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.