من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
السلفُ جدارٌ يحجب ضياءَ الخلَف
11-10-2026
لقد عاينتُ بنفسي كيف تحولت تِلْكَ المحاريب الَّتِي قُدّست عبر العصور إِلَى سجون إبستمولوجية حقيقية، حَيْثُ يُحرم القلب (العَقْل) مِنْ حقه الأصيل والرباني فِي الوصول المباشر إِلَى النَّصّ الإلهي الصافي. كَانَ يُقال لنا دوماً، وبلهجة لَا تقبل الجدل، إِنَّ الفَهْم قد توقف وانتهى عِنْدَ سقف القرون الثلاثة الأُولَى، وكَأَنَّ اللَّه -الواسع العليم بجلاله- قد كف عَنْ إمداد البشرية بالنُّور بَعْدَ تِلْكَ اللحظة التاريخية الخاطفة، أو كَأَنَّ الكتاب الكريم والقرآن العظيم قد باح بكُلّ أسراره العميقة ولَمْ يبق لنا نَحْنُ اللاحقين إلا التكرار والاجترار خَلْفَ خطوات مِنْ سبقونا.
هَذَا الحجر القسري عَلَى (العَقْل) كَانَ يصيبني بذهول لَا حد له؛ فكيف يُمكن لرب يصف وحيه الخالد بأنه "تبيان لكُلّ شيء" و"هدى للمتقين" فِي كُلّ زمان ومكان، أَنَّ يُحصرَ فهمه وإدراكه فِي قوالب زمنية ثابتة لَا تقبل التجدد أو التكيف مَعَ حركة الحَيَاة وتغير الوعيّ؟ لقد رأيت كيف تحول التراث فِي أيدي البعض مِنْ جسر يعبر بنا نحو الحَقّ، إِلَى جدران سميكة تحجب عنا ضوء الحَقِيقَة المجردة. إِنَّ الإصرار عَلَى حصر الفَهْم فِي تِلْكَ الحقبة هُوَ ذروة عملية التَّشْخِيص المعرفي، حَيْثُ تم رَبَطَ الحَقِيقَة بأشخاص وظروف زمنية معينة، مما أفقد النَّصّ الإلهي قدرته عَلَى التَّجْرِيد والتحليق فَوْقَ قيد المَادَّة والزَّمَان. وبدلاً مِنْ أَنَّ تَكُون النُّصُوص أدوات إحياء ترتقي بالإِنْسَان نحو فطرته المستقلة وعلاقته المباشرة بخالقه، أَصْبَحَتْ تُستخدم كأدوات هدم وتصنيف وتفريق بَيْنَ عباد اللَّه، بناءً عَلَى مدى ولائهم لـشخصيات تاريخية!
إِنَّ الإِيمَان الحَقِيقِيّ فِي نظري هُوَ الَّذِي ينعتق مِنْ قيد الزَّمَكان ليُحَقِّق التَّجْرِيد التام، حَيْثُ يَكُون الوَحْي خطاباً حياً موجهاً لي الآن، فِي لحظتي الحاضرة، ولَيْسَ صدىً باهتاً قادماً مِنْ غيابات الماضي. إِنَّ كمال السيادة الإنسانية يبدأ مِنْ رفض هَذَا الوصي التاريخي عَلَى الوَعْي، واليقين بأَنَّ مدد اللَّه لَا ينقطع، وأَنَّ القلب (العَقْل) هُوَ الميزان الَّذِي وضعه الخالق لنتبصر به نوره المتجدد فِي كُلّ آية وفِي كُلّ ذرة مِنْ ذرات الوُجُود.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.