من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
صدمةُ البناء الذي لا يسكنه الروح
10-10-2026
بدأت صدمتي الكبرى حِينَ رصدت بوعي ناقد تِلْكَ الفجوة الهائلة الَّتِي أفصلها اليَوْم من جهةٍ فلسفيّةٍ بـ "الفجوة بَيْنَ البناء والمخْرَجات". كنتُ أرى طلاب العِلْم يتسابقون فِي حفظ آلاف الأحاديث، ويدققون فِي أسانيد الروايات، ويغوصون فِي تفاصيل علم الرجال، لكنني فِي الوقت ذاته كنت أرصد تضخماً مرعباً فِي الأنا المذهبية الَّتِي تحجب رؤية الحَقّ. لقد كَانَ التَّشْخِيص هُوَ الداء العضال الَّذِي يحكم الموقف؛ حَيْثُ اختزل الدِّين وتجسم فِي المظهر، وفِي حرفية اللفظ، وفِي شخص الشيخ، وكَأَنَّ الحَقِيقَة المُطْلَقَة قد تم حبسها فِي جزيئات مادية لَا تملك حيوية البقاء. هَذَا الانغماس فِي تقديس المُشخَّص أدى بنا إِلَى حالة مِنْ العمى عَنْ التَّجْرِيد؛ فغاب عَنْ القلوب المعنى الكُلِّيّ للرحمة، وتلاشى جوهر التوحيد الوجودي الَّذِي يَرَى الوُجُود كُلَا متصلاً بموجده، ليحل محله تعصب ضيق يَرَى الحَقّ فِي طائفة والضلال فِي سواها.
كنت أسأل نفسي بمرارة: كيف لهَذَا القلب (العَقْل) الَّذِي يمتلئ بنصوص الوَحْي النُّورَانِيَّة أَنَّ ينتج سلوكاً يفيض بالإقصاء والعدائية؟ أليست الأَخْلَاق هِيَ الثمرة النهائية والبرهان الوحيد عَلَى صحة الاتصال بالخلّاق؟! إِنَّ غياب هَذَا التجلي الأَخْلَاقِيّ كَانَ يعني بالنسبة لي أَنَّ هناك خللاً عميقاً فِي محرك الفَهْم الَّذِي نستخدمه، وأننا نحتاج لترميم الوَعْي الَّذِي ضاع فِي زحام الشكليات. لقد وجدتُ أننا أغرقنا أنفسنا فِي تشخيص الوسائل حَتَّى نسينا الغايات المجردة، فأصبحنا نحرس الأبواب ولَا ندخل المنازل، ونعبد الأصنام الذهنية الَّتِي صنعناها بأيدينا تَحْتَ مسمى الحفاظ عَلَى الموروث. كَانَتْ هَذِهِ الفجوة هِيَ الصرخة الَّتِي هزت أركان يقيني السَلَفيّ القَدِيم، ودفعتني للبحث عَنْ فلسفة تعيد صياغة العلاقة بَيْنَ النَّصّ والواقع، ليَكُون النَّصّ طاقة تحرر لَا أداة قمع، ولتكون الحَقِيقَة فضاء يجمعنا لَا خندقاً يفرقنا.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.