من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية

ضيقُ التراث المشخَّص عن الحقّ المجرَّد

10-10-2026

🔗 شارك المقال:واتسابفيسبوكXتيليغرام
ضيقُ التراث المشخَّص عن الحقّ المجرَّد
إِنَّ مَا أضعه بَيْنَ يديك فِي هَذِهِ الصفحات أيها القارئ ما هُوَ إلا رصدٌ دقيق لتِلْكَ اللحظة الفارقة الَّتِي انشطر فيها وعيي بعيداً عَنْ السائد. لَمْ يَكُن خروجي مِنْ عباءة التقليد ترفاً فكرياً بل كان صرخةً وجوديةً فِي وجه بيئة حاولت بكُلّ قواها ممارسة عملية "تشخيص" قسرية لله العظيم وحصره فِي متون ضيقة وشروحات بشرية وكَأَنَّ المُطْلَق يمكن أَنَّ يُسجن فِي فهُمْ بشر. لقد كَانَتْ الصدمة الأُولَى فِي محاريب التلقين هِيَ اكتشافي لتِلْكَ الفجوة الهائلة بَيْنَ ضخامة البناء التراثي الَّذِي ندرسه وبَيْنَ المخرجات الأَخْلَاقِيَّة والجمالية الهزيلة الَّتِي تُنتجها تِلْكَ المناهج. وجدتُ نفسي أَمَامَ "إِنْسَان آلي" تم اختزال وعيه ليُصْبِح مجرد وعاء تخزين، مبرمجاً عَلَى إعادة إنتاج مادة معرفية لَمْ تلمس روحه، مما جعل الدِّين يفقد فاعليته كأداة تجريد كبرى ترفع الإِنْسَان مِنْ وحل المَادَّة إِلَى سعة الأنوار.
لقد كَانَ المطلوب منا أَنَّ نلغي عقولنا لنكون نسخاً مكررة لأسلافنا غارقين فِي "تشخيص" القشور والجزئيات، متناسين أَنَّ جوهر الوُجُود يكمن فِي تحرير النّفس مِنْ قيودها لتتصل بالمبدع بغير واسطة. فِي تِلْكَ الأروقة رأيتُ كيف يُهمش القلب (العَقْل) باسم النقل وكيف تُغلق أبواب التساؤل الَّتِي هِيَ فِي الحَقِيقَة بوابات النفاذ إِلَى الحَقِيقَة الصافية.
إِنَّ محاريب التلقين الَّتِي نشأتُ فيها كَانَتْ تهدف إِلَى تحويلنا مِنْ "خلفاء" يمتلكون زمام الفَهْم والإِدْرَاك، إِلَى "أتباع" يقتاتون عَلَى فتات التفسيرات الَّتِي عفا عليها الزَّمَن. لقد بدأت مِنْ هنا ثورتي الصامتة؛ فإما أَنَّ أقبل بهَذَا السجن المعرفي وأظل مخلصاً لعملية "التَّشْخِيص" الَّتِي تريد زورا أن تُقزم من مقام الإله سبحانه وتعالى وتحول الدِّين إِلَى طقوس باردة أو أَنَّ أختار طريق "التَّجْرِيد" الشاق حَيْثُ تُهدم الجدران وتُفكك القيود لنبني وعياً جديداً يَرَى اللَّه فِي جمال الكَوْن لَا فِي ضيق الكَلِمَات.
كَانَتْ هَذِهِ الصدمة هِيَ الوقود الَّذِي أشعل فِي داخلي الرغبة فِي البحث عَنْ "الدِّين الأصيل" قَبْلَ أَنَّ تعبث به يد التحريف لتبدأ رحلتي فِي التمييز بَيْنَ مَا هُوَ وحي إلهي يتسم بالكمال والبقاء، وبَيْنَ مَا هُوَ اجتهاد بشري مكبل بظروف زمانه ومكانه، وهُوَ مَا قادني لمواجهة السؤال الكَبِير: كيف نُعيد القَلْب إِلَى مَحرابه الأصيل ليَكُون شريكاً فِي صناعة الوَعْي لَا مجرد مقلد أو متفرج؟

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
🔗 أعجبك المقال؟ شاركه:واتسابفيسبوكXتيليغرام

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.