من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
التجريدُ المعرفيُّ والانعتاقُ من كثافة الألقاب الأكاديمية
10-10-2026
فِي مُستهلِّ هَذَا الكتاب، وقبلَ أَنْ تُأخذَ بصيرةُ القارئ الكريم فِي تتبُّع طبقاتِ هَذِهِ الفلسفة، يَلزمُني إقرارٌ أُصارحُه بِهِ قبلَ أَنْ أُصارحَهُ بفكري الذي سيقف عليه؛ فالاستقامةُ تسبقُ المعنى، ولَا تستقيمُ بصيرةُ الناظرِ إِنْ لم يستقمْ موقعُ القائلِ مِنْ قوله. أَقِفُ بَيْنَ يدَي القارئ متجرّداً مِنْ كُلِّ لقبٍ يُغلِّفُ النفسَ ويَستدرجها إِلَى وَهمِ ما ليسَ فيها. لستُ (دكتوراً)، ولَا أرى فِي نفسي استحقاقاً لِهَذَا اللقبِ الَّذِي صارَ فِي زماننا قَيداً يُثقلُ النَفْسّ ويُشَوِّشُ صفاءَ الفطرة. أَنَا (هاشم، أَبُو راشد)، طالبُ علمٍ فِي بحرٍ لُجِّيٍّ متلاطم، يَطلبُ ومضةً مِنْ نورٍ ولَا يَدَّعي بلوغَ أعتابِ الحقيقة.
خُضتُ غمارَ المسارِ الأكاديميِّ بفضلِ اللهِ سنواتٍ طوال، حيثُ نلت دَرجةَ البكالوريوس والماجستير في القانون العام من جامعة آل البيت الأردنية بترتيب الأول على الدفعة في الدرجتين، ونلتُ درجةَ الدكتوراةِ فِي القانون الجنائيِّ والإداريِّ تحتَ إشرافِ الدكتور الفاضل والأخ العزيز محمد الفواعرة، عَنْ أطروحةٍ عنوانها (دور السلطاتِ العامّةِ فِي تكييف الجرائم الَّتِي يرتكبها الموظّف العامّ: دراسةٌ مقارنة)، وتمت المناقشة وجاهياً أمامَ لجنةٍ كريمةٍ مِنَ الأساتذة الأجلّاء (د. إبراهيم السامرّائي، د. إرحيم الكبيسي، د. عامر الدليمي، د. خالد الجبوري). وبعدَ ثلاثِ سنواتٍ نلتُ دكتوراةً ثانيةً فِي التحكيم الدوليّ "أونلاين" بأطروحةٍ تناولت (تأثيرَ قواعدِ اتفاقيّةِ المركز الدوليّ (ICSID) عَلَى النطاقِ الاختصاصيِّ الشخصيِّ للمركز). ثمّ مُنحتُ بعثةً كريمةً مِنَ المملكةِ المغربيّة لأوائل الطلبة في الدراسات العليا لاستكمالِ درجةٍ ثالثةٍ في جامعةِ الحسن الأوّل بسطات، عَنْ أطروحةٍ فِي (ضماناتِ المحاكمةِ العادلة للمتّهم فِي القضايا السياسيّة)، فحالت ظروفُ جائحةِ كورونا وتحديات أُخرى! دونَ مناقشتها، لكن الغريب انني لم أعد أرغب أصلا بالمناقشة لقد قمت بمراجعةٍ عميقة وأَعدتُ النظرَ فِي معنى وسبب السعيِ ومنتهاه.
وفي تِلْكَ المراجعة استبانَ لي أَنَّ التهافتَ عَلَى الدرجاتِ العلميّةِ يَحملُ فِي طيّاتهِ فخّاً خطيرا غالبا ما يُغذّي ما تَستثيرُهُ النفسُ مِنْ ميلِ الكِبرِ وانتفاخِ الأنا والتعالي الأجوف. ومِنْ هَا هُنا، وبكاملِ إرادتي، أَعلنتُ تنازلي الطوعيَّ عَنْ هَذِهِ الشهاداتِ وعَنْ درجةِ الدكتوراة، وأَوقفتُ مسيرتي الأكاديميّةَ فِي المغرب. ولم يكن هَذَا التنازلُ جلداً للذاتِ ولَا انتقاصاً مِنَ قدر العلم والجامعاتِ أَوْ مِنْ أساتذتي الكبار، إنّما كان إقراراً صادقاً بأنّ المعاييرَ الحقيقيّةَ للتقييم - لو طُبِّقت بميزانها الكونيّ - تَجعلُني أَقفُ متواضعاً أمامَ عظمةِ المعرفة، حتّى لَتكونَ شهادةُ الثانويّةِ العامة كثيرةً عليَّ فِي ذَلِكَ الميزان.
وعَلَى هَذَا، فإنّي لَا أَدّعي أنّي عالمٌ ولَا أنّي فيلسوف؛ فذَلِكَ حُكمٌ ليسَ لي أَنْ أُطلِقَهُ عَلَى نفسي، وإِنْ بَدا صوتي فِي هَذَا الكتاب صوتَ مُتفلسفٍ متمكِّن، فذَلِكَ مِنِ اعتباراتِ طريقةِ الطرح وانضباطِ البناء النَّسَقيّ، لَا مِنِ ادّعاءٍ شخصيّ.
وصيغةُ الجمعِ التي ستلتقطُها في جنباتِ المباحثِ وخواتيمها وفي التعليق على أقوال العلماء ليستْ من بابِ التفخيمِ أبداً، وإنما على النقيضِ هي من بابِ التواضعِ! فعندما أقولُ "فلسفتُنا" "نحنُ" "نرى" "نجدُ" "نتصورُ" "نتفقُ" "نختلفُ"، كلُّ هذهِ الصيغِ جاءتْ من عميقِ اعترافي بأنَّ هذهِ الفلسفةَ ليستْ من إبداعي منفرداً، ولا تتحدثُ باسمي وحدي؛ بل إنَّ الباحثَ في الفلسفةِ يُدركُ أنَّ أصولَها في مصنفاتِ الأولينَ، وأفكارَها متناثرةٌ في كتبِ المتأخرينَ.
وما أطرحه هُوَ سعيُ طالبٍ يقولُ مَا رأى، ويتركُ الحُكمَ عَلَى مَا قاله لأهله محترما كل رأيٍ أو نقدٍ أو نقضّ. ولَكمّ يَصدُقُ عليّ قولُ الإمام الشافعيِّ رحمه الله:
كُلَّمَا أَدَّبَنِي الدَّهْرُ أَرَانِي نَقْصَ عَقْلِي
وَإِذَا مَا ازْدَدْتُ عِلْمًا زَادَنِي عِلْمًا بِجَهْلِي
فالعلمُ كلّما اتّسعت دائرتُهُ اتّسعَ معَهُ إدراكُ الإنسانِ لحدودِ نفسهِ، وكَبُرَ فِي عينَيهِ ما يَجهلُ بمقدارِ ما عَلِم. وتلكَ هِيَ الحقيقةُ الَّتِي أَستقرّ عندَها: أنّي طالبٌ مهما طالَ سعيُهُ، ومُريدٌ مهما اشتدّ عزمُهُ، لَا أملكُ أَنْ أَنسبَ لنفسي مَا لَا أَحملُ مِنْه إِلَّا ظِلًّا أو ظنّا مهما ادعيتُ اليقين! وما أطرحه بين يديك ما هو إلا إرثي من العلم والسعي والمعرفة لم أرتضِ أن يموتَ بموتي فأُسأُل، فلعله يحملُ قبساً من نورٍ يضيءُ ظلمةَ لباحثٍ في طريقِ طلبِ الحقيقة!
وأُؤكِّدُ أنَّني لطالما رجَوْتُ مِنْ كُلِّ قارئٍ وطالبٍ وصديقٍ ألَّا يَدْعوَني بِلَقَبِ (دكتور)، وقدْ سَبَقَ وأُنْشِرَ لي كِتابانِ في القانونِ؛ أوَّلُهُما بِعُنْوانِ: "الجرائمُ المُخِلَّةُ بالشَّرَفِ وأثرُها على الوظيفةِ العامَّةِ" صَدَرَ عامَ 2016، والثَّاني بِعُنْوانِ: "دورُ السُّلطاتِ العامَّةِ في تكييفِ الجرائمِ التي يرتكِبُها الموظَّفُ العامُّ" صَدَرَ عامَ 2018 كلاهُما صادرٌ عَنّ مَركز الكتابِ الأكاديميّ في الأردنّ. وأعتذِرُ عَنْ كُلِّ المطبوعاتِ والإعلاناتِ والمقابلاتِ السَّابِقَةِ الَّتي حَمَلَتْ هذهِ الصِّفَةَ. وليسَ هذا التَّنازُلُ توقُّفاً عَنِ البَحْثِ ولا إقصاءً للعِلْمِ، إنَّما هو إعلانٌ يَنْزَعُ عَنِ الوَعْيِ زَيْفَ القُشورِ، ويَسُدُّ ثُغْرَةً يَنْفُذُ مِنْها الشَّيْطانُ ليَنْفُخَ في النَّفْسِ كِبْراً وعُجْباً، نَعوذُ باللهِ مِنْ ذلكَ. فَلْنَبْدَأْ معاً هذهِ الرِّحْلَةَ المعرفيَّةَ مُتَخَفِّفينَ مِنْ أثْقالِ الطِّينِ، مُتَّصِلينَ بِنورِ اللهِ العظيمِ."
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.