الصمت... متى يكون تجريدًا ومتى يكون عجزًا؟ (مقال للدكتورة أسماء الفلاحي)

16-09-2026

الصمت... متى يكون تجريدًا ومتى يكون عجزًا؟ (مقال للدكتورة أسماء الفلاحي)

لطالما شعرت أن الصمت أوسع من أن يُختصر في غياب الكلام...
فالصورة قد تبدو واحدة... فيما يكون ما يجري خلفها على طرفي نقيض.
قد يكون الصمت امتلاءً بلغ فيه المعنى حدًا لم تعد العبارة قادرة على حمله وقد يكون انكماشًا بلغ فيه الخوف حدًا تعجز معه النفس عن إخراج ما فيها.
لهذا لا يُقرأ الصمت من صورته بقدر ما يُقرأ من الموقع الذي يصدر عنه...
هناك صمت يأتي من سعة وصمت يولد من ضيق... صمت تبقى فيه السيادة بيد الوعي وصمت تنسحب فيه النفس تاركة للخوف أن يدير المشهد من خلفها..
في هذه المسافة يبدأ الفارق الحقيقي...

في فلسفة التشخيص والتجريد لا تكشف الصورة وحدها حقيقة الفعل فالفعل يأخذ معناه من البرنامج الذي صدر عنه ومن الأثر الذي يتركه ومن الموقع الذي ينقل النفس إليه.
فقد يصمت الإنسان لأنه استوعب المشهد إلى حد تجاوزه وقد يصمت لأن المشهد تجاوز قدرته على حمله...
قد يحفظ الصمت معنى أكبر من العبارة وقد يحبس معنى لم يجد طريقه إلى العبور...
وفي هذه المسافة الدقيقة يتبدل كل شيء...

فالتجريد حين يمس الصمت لا يلغي اللغة ولا ينتقص من شأنها وإنما يردها إلى حجمها الحقيقي...تصبح الكلمة وعاء...ويصبح اللفظ صورة...ويبقى المعنى أوسع من كليهما..

[[ وفي بعض حالات الوجد يبلغ المعنى منطقة تضيق بها اللغة نفسها...هناك لا تضيع الكلمات لأن الداخل خالٍ منها وإنما لأن ما امتلأ به أوسع من أن ينتظم في عبارة..كأن النفس تكون قد عبرت إلى موضع تتأخر عنه اللغة...
فيصبح الصمت أصدق من كلام ينتقص من التجربة لحظة يحاول أن يحتويها...!
في هذا الموضع يترك الوعي للمعنى سعته وللوجد مداه حتى تنضج العبارة إن كان لها أن تأتي...
وربما كانت بعض أصفى لحظات التجريد هي تلك التي يعرف فيها الإنسان أن ما أدركه لا يحتاج فورًا إلى اسم...وأن بعض المعاني كلما اقتربت من النور صار القول بها أقل من حقيقتها...!
عندها لا يكون الصمت عجزًا عن الكلام...
يكون وفاءً لمعنى لم تكتمل للغة بعد أهلية حمله....!
وحين يصل الوعي إلى هذه الطبقة قد يصبح الصمت أمانة...امتلاءً لا يستجدي إثبات نفسه...]]...!

في الداخل لا يتوقف الفؤاد وإنما يبدأ عمله الأعمق...يعالج الأثر ويعيد تنظيم الانفعال ويخفف من كثافة النار فيما تعيد النفس تموضعها حتى يسترد الوعي سيادته ويُفسح للنور مجالًا أوسع في المشهد.
ومن الخارج لا يُرى شيء تقريبًا...سكون فقط...

في الداخل تتبدل علاقة النفس بالمشهد وينفصل الأثر عن اندفاعه الأول وتغدو الكلمة إن خرجت بعد ذلك أكثر صفاءً وأقل خضوعًا للنار التي أنشأتها اللحظة...لهذا قد يكون الصمت حركة كاملة تحت هيئة السكون...حركة تجري في العمق حيث لا يعود كل أثر محتاجًا إلى أن يُفرغ فورًا ولا كل استفزاز جديرًا بأن يمنح سلطته على الفؤاد ولا كل قدرة على الرد سببًا كافيًا لاستخدامها.

في تلك المساحة تنكشف الحرية بصورة أدق... فالحرية ليست أن أتكلم حين أستطيع ولا أن أصمت حين أريد أن أبدو متجاوزة...
الحرية أن يبقى الاختيار لي...ألا يدفعني خوف قديم إلى الصمت ولا نار قديمة إلى الكلام ولا صورة صنعتها عن نفسي إلى الدفاع عنها في كل مشهد..هناك فقط تصبح السيادة حقيقية...ويصبح الكلام والصمت صورتين لفعل واحد أعمق...أن أتحرك من موضعي أنا لا من الموضع الذي دفعني إليه الآخر.

لكن للصمت وجهًا يتقن التنكر...!
فقد يبدأ يومًا كوسيلة نجاة...لحظة خوف أو أذى أو عجز لم تجد النفس معه طريقًا آخر...
ثم يتكرر...ومع التكرار لا يعود موقفًا عابرًا...يتسلل إلى البرنامج النفسي حتى يصبح الصمت الطريق الأكثر أمانًا ثم الطريق المألوف ثم يكاد يتحول إلى تعريف خفي للعلاقة مع العالم....
تضيق السعة قليلًا قليلًا...
يتراجع التعبير...وتتكدس الأشياء التي لم تُقل حتى يصبح ما في الداخل أثقل من المشهد الذي أنشأه أصلًا...عندها لا يعود الصمت مساحة...
يصير جدارًا...!
والأخطر أن البرنامج النفسي قد يضع على هذا الجدار أسماء جميلة...
هدوءًا...اتزانًا...تجاوزًا...
سلامًا...
بينما يكون خلفها خوف لم يعبر بعد...عندها يصبح الصدق مع النفس أشد قسوة من الكلام نفسه...
أن أرى موقعي بلا تجميل...أن أعرف إن كان الصمت قد وسّعني فعلًا أم منح عجزًا قديمًا صورة أكثر قبولًا...هنا يظهر الاستحقاق في موضعه الأدق...
فالأهلية لا تُقاس بالصمت ولا بالكلام وإنما بالقدرة على اختيار موضع كل منهما...أن تأتي الكلمة بقدر المعنى...وأن يأتي السكوت بقدر الحكمة...
وأن يبقى الأثر أمانة لا يُهدر في كل موضع ولا يُحبس في كل موضع.

فالقلب ليس ساحة مباحة لكل ما يمر...والفؤاد ليس معالجًا بلا حدود...والسعة نفسها تحتاج إلى أن تُصان من الاستنزاف كما تحتاج إلى أن تُفتح حيث يكون الفتح ضرورة.
لذلك قد يكون الصمت أمانة لأنه يحفظ المعنى من أن يُلقى في موضع لا يملك أهلية حمله...
وقد تكون الكلمة أمانة لأن السكوت في موضع آخر يرسّخ الخلل...عندها لا تعود الصورة كافية للحكم..!
فالصمت لا يستمد قيمته من هدوئه ولا الكلام من جرأته...فالقيمة أبعد من الصورة...في البرنامج النفسي الذي يتحرك...
في الأثر الذي يترسب.. في المعدل التراكمي الذي تُضاف إليه التجربة...في السيادة التي تستعاد أو تُفقد...وفي السعة التي تنفتح أو تضيق بعد انقضاء المشهد.

وعند هذه الطبقة يكشف الصمت علاقتنا بأنفسنا أكثر مما يكشف علاقتنا بالآخر...يكشف مقدار ما بقي فينا من صورة قديمة ما زلنا نحرص على حمايتها...ويكشف مقدار ما تزال النار قادرة على تحريكه من الخلف ومقدار ما أصبح الوعي قادرًا على حمله دون حاجة دائمة إلى العرض أو الشرح أو انتزاع الاعتراف.

ومن هنا يقترب الصمت من التنزيه...تنزيه المعنى عن أن يُختزل في رد فعل...والذات عن أن تبقى أسيرة صورة المدافع أو المنتصر أو المظلوم... والمشهد عن أن يحتل من الوعي مساحة أكبر من حجمه.

هناك يبدأ التشخيص نفسه بالتفكك...فلا يعود الصمت مجرد امتناع عن الكلام وإنما تحريرًا من الحاجة إلى ضبط الصورة في وعي الآخر ومن التعلق بأن يخرج من المشهد حاملًا الرواية التي نرضاها عن أنفسنا.
وحين تسقط هذه الحاجة يتغير معيار الصمت كله...
فلا يعود الفهم الخارجي هو المرجع.. ويصبح الأثر هو الشاهد.
إن خرجت النفس منه أوسع وأخف كثافة وأكثر قدرة على الرؤية وأقل ارتهانًا للمثير فقد حدث انتقال.

وإن خرجت أضيق...أكثر احتباسًا...أشد خوفًا... وأقل قدرة على التعبير حين يصبح التعبير أمانة..فقد بقي الموقع كما هو مهما بدا المشهد هادئًا.

وهنا يظهر الصمت من أدق المواضع التي تكشف المسافة بين التشخيص والتجريد...
قد تتشابه الصورة فيما يجري الفارق كله في مكان لا يراه أحد...
في الفؤاد...في البرنامج النفسي...في السعة...في السيادة..في الاستحقاق... وفي مقدار ما بقي من النور بعد أن انطفأ الصوت.
فالصمت الذي يعبر بالنفس من موضعها القديم يصبح انتقالًا...
والصمت الذي يثبتها فيه يتحول إلى جدار...
وبين الانتقال والجدار...
قد لا يسمع أحد شيئًا...!

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.