حين يكون المعلّم نجمًا لا ربّانًا

15-09-2026

حين يكون المعلّم نجمًا لا ربّانًا

اليوم، بعد أن نشرت تأملي حول اللوح والدُّسُر والفُلك، فرحت كثيرا، لاقى النص إعجابا ، ووصلتني كلمات جميلة أسعدتني فعلا. قرأت التعليقات أكثر من مرة، وشعرت بذلك الفرح الذي يعرفه كل من يكتب من داخله ثم يكتشف أن شيئا مما تحرك فيه استطاع أن يصل إلى غيره.
وكان يمكنني أن أبقى طويلا في تلك اللحظة.
لكن شيئًا أعادني سريعا إلى نفسي.
وجدتني أفكر في الدكتور هاشم نصّار.
ربما لأنني بدأت أدرك أن الأثر الحقيقي لرحلتي معه ومع فلسفة التشخيص والتجريد لم يعد يظهر فقط حين أقرأ أو أناقش فكرة فلسفية، بل صار يظهر حتى في الطريقة التي أتعامل بها مع نفسي.
فرحت بالمديح، نعم…
لكنني لم أرد أن أسكن فيه.
وكأن شيئا مما تعلمته خلال هذه الرحلة قال لي بهدوء:
عودي إلى الدفّة.
ابتسمت حين خطرت لي العبارة.
فأنا منذ ساعات فقط كنت أكتب عن الفُلك، وها هو النص نفسه يعيدني إليه من باب لم أفكر فيه وأنا أكتبه.
في الصباح كنت أنظر إلى الفُلك.
والآن وجدتني داخله، يدي عند الدفّة، والبحر أمامي، وفي ذهني رجل كان له أثر كبير في أن أصل أصلا إلى هذه الطريقة في النظر.
الدكتور هاشم.
وهنا أدركت أن عليّ أن أحدد موضعه في هذا المشهد.
لم أستطع أن أراه ربّانا.
ليس انتقاصا من موقعه، بل لأنني شعرت أنني لو منحته الدفّة، لكنت قد خالفت واحدا من أعمق الآثار التي أحدثتها فلسفته فيّ.
فالدكتور هاشم لم يعلمني أن أضع عقلي بين يديه.
علّمني أن أعود إلى عقلي.
لم يدفعني إلى أن أستبدل إجابات قديمة بإجاباته، بل جعلني أكثر قلقا أمام الإجابة الجاهزة، وأكثر انتباها إلى ما أضيفه أنا إلى الشيء قبل أن أشخّصه.
ومع الوقت، لم أعد أتعلم منه أفكارا فقط…
كنت أتعلم منه فعل النظر نفسه.
بقيت صورة الفُلك أمامي، وبقي موضع الدكتور هاشم فيها غير مكتمل، حتى رفعت بصري في خيالي إلى السماء.
فحضرت الآية:
<وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ>.
وسكنت عندها.
هذا هو الموضع.
النجم.
وشعرت أن الصورة أنصفت المعلم والتلميذ معا.
فالنجم عالٍ في موضعه، يُرى ويُهتدى به، لكنه لا ينزل إلى الفُلك ليمسك دفته.
والآية، بدقتها، لم تجعل الإنسان غائبا عن فعل الاهتداء:
<هُمْ يَهْتَدُونَ>
النجم علامة، لكن الاهتداء فعل.
ومن هنا رأيت الدكتور هاشم بطريقة ربما لم أرها من قبل.
لقد ظهر في مرحلة من رحلتي كنجم معرفي جعلني أنتبه إلى اتجاهات لم أكن أراها.
فلسفة التشخيص والتجريد لم تمنحني فقط موضوعات جديدة أفكر فيها؛ لقد أحدثت خللا جميلا في عادتي القديمة في النظر.
ما كنت أمر به، صرت أتوقف عنده، ما كنت أعدّه بديهيا، صار قابلا لأن أعود إليه، وما كنت أنسبه إلى الشيء، بدأت أسأل نفسي إن كان فيه فعلا أم أنني أنا التي وضعته فيه.
وهنا بدأ التشخيص يتحرك في اتجاه لم أتوقعه.
فبعد أن كنت أوجهه إلى الأشياء، وجدته يعود إليّ.
ولعل هذا هو السبب الذي جعلني، بعد نشر مقالي اليوم، لا أستسلم طويلا لسعادة المديح.
فالمديح نفسه يحتاج أحيانا إلى وعي.
قد يكون جميلا ومحفزا، لكنه يستطيع أيضا أن يصنع حول الإنسان صورة يحبها، ثم يبدأ من حيث لا يشعر بالدفاع عنها.
وهنا فهمت أن الدفّة ليست مجرد صورة للقرار، بل لمسؤولية أعمق: أن أبقى قادرة على مراجعة نفسي حتى وأنا في لحظة نجاح.
وأن أسمح للسؤال بأن يقترب حتى مما يسعدني.
عند هذه النقطة بالذات حضرت أمامي سفينة أخرى:
<حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا>
الخرق.
شيء كان يبدو سليما، فإذا بفتحة تصيبه، ومن داخل اللحظة لم يكن المشهد يحتمل إلا الاعتراض:
<أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا>
ثم ظهر ما لم يكن مرئيا:
<وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا>
استوقفتني الصورة معرفيا.

فليس كل خرق هدما.

وأحيانا يكون السؤال خرقا صغيرا في يقين شديد التماسك.
نغضب منه لأننا نراه يفسد بناء اطمأننا إليه، ثم نكتشف أن ما خرق لم يكن الحقيقة نفسها، بل الصورة التي أحكمنا إغلاقها حولها.
وهذا من الأشياء التي بدأت أفهمها أكثر مع الدكتور هاشم.
التشخيص ليس أداة أستخدمها فقط حين أريد تفكيك فكرة الآخر، قيمته الحقيقية تظهر حين أسمح له بالاقتراب من فكرتي أنا.
من يقيني أنا.
ومن الصورة التي أحب أن أراها عن نفسي.
عندها فقط يصبح التجريد أكثر من تمرين فكري؛ يصبح امتحانا للنزاهة مع الذات.
ومن الخرق انتقلت بي الآيات إلى فُلك نوح، وإلى قوله:

<إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي>.

هذه المرة أمسكتني كلمة واحدة:

<مِنْ أَهْلِي>.
كم من الأشياء تدخل مع الزمن إلى «أهلنا» الداخلي؟
فكرة رافقتنا طويلا، حكم ورثناه، معنى أحببناه، صورة صنعناها عن أنفسنا… حتى يصبح الفصل بينها وبين ذواتنا مؤلما.
ثم يأتي الدرس ليضع حتى هذا القرب أمام الفحص، ليس كل ما استقر فيّ هو أنا، وليس كل ما طال بقاؤه في فكري يصبح بمنأى عن التشخيص.
وربما هنا بدأت أفهم بصورة أعمق لماذا أصرّ الدكتور هاشم دائما، في هذه الرحلة الفكرية، على الحركة وعدم الجمود عند مستوى واحد.
فالفلسفة التي تتحول إلى أقوال نرددها تفقد قدرتها على إحداث التحول.
أما حين تصبح التشخيص والتجريد فعلين في طريقة القراءة، فإن صاحبها لا يبقى أمامك فقط…
بل يصبح أثره حاضرا في كيفية رؤيتك لما أمامك.
وهذا بالنسبة إليّ هو المعنى الأرقى للأستاذ.
ليس أن يجعلني أقول ما يقول.
بل أن يرفع مستوى السؤال في داخلي.
ليس أن يحميني من الحيرة.
بل أن يجعلني أكثر قدرة على المرور خلالها دون أن أستعير يقينا جاهزا للخروج منها.
وهنا، كأن الآيات كانت تجمع المشهد خطوة خطوة، حضرت أمامي:

<كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ>.
وتوقفت عند:

<وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ>.

الآن اكتمل عندي موضع النجم والدفّة معا.

الدكتور هاشم يستطيع أن يفتح لي مجالا لم أكن أراه.

أن يضع بين يدي فلسفة أعادت تشكيل علاقتي بالسؤال.

أن يكون نجما أستدل به في مرحلة من رحلتي.

لكن «تدرسون» تعيدني دائمًا إليّ.

أنا المطالبة بأن أدرس.

أن أختبر.

أن أشخّص.

أن أجرّد.

وأن أعود حتى إلى ما تعلمته من أستاذي، لا لأهدمه ولا لأثبت ولائي له، بل لأجعله حيًا في فعل الدرس.

ولعل هذا أجمل ما أستطيع أن أقوله اليوم عن الدكتور هاشم نصّار:

لم يزد عدد الأفكار التي أحملها فحسب…

بل غيّر هيئة الحاملة نفسها.

ولهذا، حين وصلتني اليوم كلمات الإعجاب بمقالي، فرحت بها من قلبي.

لكنني لم أشعر أنني وصلت.

شكرت أصحابها، واحتفظت بدفئها…

ثم عدت إلى الدفّة.

وكان الدكتور هاشم حاضرا، ولكن ليس أمامي ليقودني.
رفعت رأسي…

فوجدت موضعه أجمل في الأعلى.
نجما.

<وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ>
وعندها أدركت أن بعض المعلمين لا تكبر مكانتهم فينا لأننا نسير وراءهم، بل لأننا بعد لقائهم نصبح أقدر على السير بوعي.

لا يصنعون حول نورهم دائرة نبقى فيها، بل يكشفون لنا به اتساعا لم نكن نراه.

ولا يكون أجمل الوفاء لهم في تكرار كلماتهم، بل في أن يصبح ما أيقظوه فينا قادرا على أن يواصل الحياة والسؤال والتجاوز.

لهذا لا أريد للدكتور هاشم أن يكون ربّان فُلكي.

ذلك الموضع، بما علّمني إياه، أعادني إلى مسؤوليتي أنا.

أريده حيث رأيته اليوم:

نجما عاليا في سمائي المعرفية؛
كلما رفعت رأسي إليه، لم يقل لي إلى أين أصل…
بل ذكّرني أن أرى، وأن أدرس، وأن أهتدي.

ثم أعود إلى الدفّة.

لا لأبتعد عن النجم…

بل لأنني تعلمت منه أن قيمة النور ليست في أن نبقى مأخوذين ببريقه، وإنما في مقدار ما يكشفه لنا من الطريق داخلنا.

فالمعلم الكبير لا يورّث تلميذه وجهته،
بل يوقظ فيه أهلية الاتجاه.

وحين يحدث ذلك، لا يعود النجم مجرد علامة في السماء…

بل يصبح أثرا من النور في عين من تعلّم أن يهتدي.

التعليقات:

Adam masri: تبارك الرحمن
قمة الإبداع 🙏🙏
2026-09-15 16:11:05