15-09-2026
كنتُ أقلب صفحات على لوحي الإلكترونيtablet كعادتي؛ أفتح صفحة المفكر هاشم نصا، أحفظ صورة، أعود إلى ملاحظة، وأنتقل في دقائق بين كمٍّ من المعلومات كان يحتاج الوصول إليه قديما إلى مكتبات وأسفار.
وفجأة توقفت.
لم يوقفني شيء مما كنت أقرأه، بل أوقفني اللوح نفسه.
قلت: أنا أحمل لوحا.
لوحا يستطيع أن يحمل آلاف الكتب والصور والملفات، وأن يستقبل من المعلومات أكثر مما يمكنني استيعابه في سنوات، ومع ذلك فهو لا يعرف شيئًا مما يحمل.
وهنا أخذتني كلمة «اللوح» بعيدا عن الجهاز الذي بين يدي، وحضرت أمامي الآية:
<وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ>
ثم قفزت إلى ذهني اية أخرى:
<وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا>.
ألواح هنا… وألواح هناك.
لكن ما بين الصورتين استوقفني أكثر من التشابه بينهما.
في الأولى هناك شيء كتب في الألواح؛ فاللوح حامل للمكتوب.
أما في الثانية، فقد دخلت الألواح نفسها في تركيب أكبر: (ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ)
لم تعد المسألة لوحا يحمل معلومة، بل ألواحا انتظمت بعلاقات من الوصل والإحكام حتى أصبحت بنية تحمل.
وهنا بدأت أرى الفرق.
فاللوح وحده يمكن أن يحمل المكتوب، لكن ألف لوح متجاور لا يصنع فُلكا.>>لا بد من الدُّسُر.>>
شيء يصل الأجزاء، ويشد بعضها إلى بعض، ويمنح كل جزء موضعه داخل الكل، حتى لا يعود أمامنا ركام من الألواح، بل ذات متماسكة قادرة على الحمل.
وهنا شعرت بأثر فلسفة التشخيص والتجريد في طريقة قراءتي للمشهد.
فقد بدأت أتعلم معها ألا أتوقف طويلا عند الأشياء منفردة، بل أن أبحث عن العلاقة: أين يقع الجزء داخل البنية؟ بماذا يتصل؟ ماذا يتغير إذا تغير موضعه؟ وما القانون الذي يجعل أجزاء متفرقة تتحول إلى نظام قادر على أداء وظيفة لم يكن أي جزء منها قادرا على أدائها منفردا؟
ومن هنا تغير السؤال عندي.
لم يعد:
ماذا يحمل اللوح؟بل:
كيف تتحول المعلومة التي يحملها اللوح إلى بنية قادرة على أن تحمل الإنسان؟
وهنا بدا لي واقعنا المعرفي اليوم وكأنه يعيد السؤال بصورة أشد إلحاحا.
فنحن نعيش زمنا لم تعد فيه المعلومة نادرة.
نحمل ألواحنا في أيدينا، ونصل في لحظات إلى الكتب والصور والأبحاث والأخبار، ونستدعي عبر محركات البحث والذكاء الاصطناعي كمّا هائلا من البيانات.
لقد تضاعفت الألواح من حولنا…
لكن هل تضاعفت الدُّسُر في داخلنا؟
قد نقرأ فكرة من هنا، ونسمع معلومة من هناك، ونحفظ مقطعا، ونشارك اقتباسا، وننتقل إلى فكرة أخرى، حتى تمتلئ ذاكرتنا كما تمتلئ ذاكرة أجهزتنا.
لكن الامتلاء ليس بالضرورة بناء.
فالمعلومة التي لا تجد علاقتها بغيرها قد تزيد عدد الألواح، لكنها لا تبني فُلكًا.
وهنا تصبح الدُّسُر بالنسبة إليّ صورة معرفية شديدة العمق.
فالقيمة ليست فقط فيما نعرف، وإنما في كيفية اتصال ما نعرف.
حين تجد كل معلومة موضعها، وتتضح علاقتها بما قبلها وما بعدها، ويتحول المتفرق إلى شبكة من العلاقات، تبدأ المعرفة بالخروج من حالة التراكم إلى حالة البنية.
وهنا يبدأ الفُلك بالتشكل.
فالفُلك ليست مجموعة ألواح.
الفُلك هي ما أصبحت عليه الألواح بعد أن انتظمت.
وهذا التحول وحده يقلب العلاقة بين الإنسان والمعرفة:
في البداية يحمل الإنسان المعلومة.ثم، إذا انتظمت المعلومة في داخله وأصبحت منهجا للرؤية والتشخيص واتخاذ الاتجاه، تصبح المعرفة نفسها قادرة على حمله.
وكأننا ننتقل من:
لوح يحمل معلومة
إلى دُسُر تنظم العلاقة
إلى بنية تتماسك
إلى فُلك يحمل
إلى حركة تعبر.
ولهذا استوقفتني الكلمة التالية مباشرة:
<تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا>
تجري.
فالفُلك لم تُبنَ لتبقى ساكنة على اليابسة.
كل ذلك الوصل والإحكام كان استعدادا لدخول مجال الحركة.
وهنا يظهر الماء.
الماء لا يمنح الفُلك أرضا ثابتة؛ إنه وسط متحرك، تتبدل فيه القوى والاتجاهات، وقد يبلغ حد الطغيان:
<إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ>
وهنا اكتملت أمامي الصورة.
ربما لا تُختبر المعرفة حين يكون الواقع هادئا ومتوافقا مع ما نعرفه، وإنما حين يطغى الماء.
حين تتغير الظروف.حين تتكاثر الاحتمالات،حين تتدافع الأخبار والقراءات،حين تهتز الصورة التي اعتدناها، ونجد أنفسنا أمام واقع لا تكفي لمواجهته معلومة محفوظة أو إجابة جاهزة.
هناك يظهر الفرق بين من جمع ألواحا ومن بنى فُلكًا.
الأول قد تغرقه كثرة المعلومات نفسها؛ كل معلومة تسحبه إلى جهة، وكل رأي يعيد تشكيل موقفه، وكل موجة جديدة تمحو أثر السابقة.
أما الثاني فقد تحولت المعرفة لديه إلى بنية؛ يستطيع أن يدخل بها مجال المتغير دون أن يفقد اتجاهه.
وهنا أفهم شيئًا آخر من أثر فلسفة التشخيص والتجريد في رحلتي.
فالتشخيص لا يضيف لي لوحًا آخر إلى ما أملك من ألواح فحسب؛ بل يدفعني إلى البحث عن موضع اللوح داخل الصورة الكبرى.
والتجريد لا يلغي التفاصيل، بل يحاول أن يكشف من خلالها القانون الذي يجمعها.أي أن المسألة لا تبقى:كم معلومة امتلكت؟
بل:
ما البنية التي تشكلت من هذه المعلومات؟
وهنا عدت أنظر إلى اللوح الصغير بين يدي بصورة مختلفة.
هذا الجهاز يستطيع أن يحمل لي مكتبة كاملة، لكنه لا يستطيع أن يبني الفُلك عني.
يمكنه أن يحفظ المعلومة، ويستدعيها، ويرتبها في ملفات، بل ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يكشف لي علاقات لم أكن أراها…
لكن تبقى رحلة الوعي أعمق من مجرد الوصول إلى البيانات.
فاللوح يستطيع أن يحمل المعلومة إليّ.
أما أنا، فعليّ أن أتعلم كيف أربط ألواحي، وكيف أكتشف دُسُرها، وكيف تتحول المعرفة من أشياء أعرفها إلى بنية أتحرك بها.
وربما لهذا لم تعد عبارة:
<ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ>
تمر أمامي كما كانت تمر من قبل.
لأنني بدأت أراها كسؤال يمتد إلى واقعنا:
نحن في عصر امتلأت فيه أيدينا بالألواح، وامتلأت الألواح بالمعلومات…
لكن هل عرفنا كيف نَدسُر بينها؟
هل انتظمت معرفتنا حتى أصبحت فُلكًا؟
وهل تستطيع هذه المعرفة أن تحملنا حين يطغى ماء الواقع؟
ربما كان هذا أحد التحولات التي أحدثتها فيّ فلسفة التشخيص والتجريد:
أنني لم أعد أبحث فقط عمّا هو مكتوب على اللوح…
بل عمّا يجعل الألواح، حين تنتظم علاقاتها، تصبح فُلكًا قادرا على العبور.
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.