12-09-2026
في حوار فلسفي جمعني اليوم بصديقي الدكتور هاشم نصار، مؤلف موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد والأبعاد السبعة، انطلقنا من سؤال يبدو أخلاقيًا في ظاهره، لكنه سرعان ما قادنا إلى سؤال أعمق في الوعي والوجود: ما معنى أن تكون منصفًا؟
في المستوى التشخيصي، يبدو الإنصاف واضحًا نسبيًا؛ أن أعطي الآخر حقه، وألا أحمّله ما لم يفعل، وأن أزن أفعاله بميزان لا تحكمه مصلحتي أو انفعالاتي. هنا يكون أمامي فاعل وفعل ونتيجة: شخص آذاني، وأذى وقع عليّ، وحكم أخلاقي أحاول أن أصدره بعدل. لكن ماذا يحدث عندما نغادر شاطئ الإنصاف التشخيصي إلى أفق الإنصاف التجريدي؟
هنا لم يعد السؤال فقط: ماذا فعل بي الآخر؟ بل يصبح أيضًا: ما الذي فعلته هذه التجربة بي؟ وما موقعها في بنائي الوجودي والوعيوي؟ عند هذه النقطة يبدأ معنى الإنصاف بالتغير. فالشخص الذي آذاني قد يبقى، في المستوى التشخيصي، مسؤولًا عن أذاه؛ لأن التجريد لا يلغي الفعل ولا يمحو المسؤولية الأخلاقية. لكن اختزال ذلك الإنسان في صورة "الشرير" قد يكون هو نفسه تشخيصًا آخر؛ لأنني جعلت حقيقة الإنسان كلها مساوية للحظة واحدة من تفاعله معي.
أما التجريد فيدفعني إلى تجاوز صورة الفاعل والفعل إلى شبكة التفاعل التي أنتجت التجربة، وإلى السؤال عن موقعها في مسار الوعي والاستحقاق والتحول. ومن هنا يظهر سؤال أكثر جرأة: هل يمكن أن يكون من آذاني شرًا في صورة التجربة، لكنه أدى وظيفة خير في معناها الأبعد؟
قد يكون قد هدم فيّ وهمًا كان ينبغي أن يُهدم، أو كشف ضعفًا كنت أجهله، أو أخرجني من علاقة كان استمرارها سيحول دون ارتقائي، أو وضعني أمام حقيقة كنت أهرب منها، أو دفعني إلى مراجعة ذاتي وقيمي واختياراتي. عندئذ لا يعود الإنصاف أن أقول إن الأذى خير؛ فالأذى يظل أذى في مستواه التشخيصي، وإنما أن أمتنع عن اختزال معنى التجربة كلها في الألم الذي أحدثته. وهنا يمكن أن يظهر معنى أعمق للاستحقاق: فقد لا يكون ما أستحقه دائمًا هو ما يوافق رغبتي المباشرة أو يمنحني الراحة، وإنما قد يكون ما يدفع وعيي إلى الموضع الذي ينبغي أن يصل إليه.
ومن هذه الزاوية يصبح إنصاف من آذانا فعلًا من أفعال تحرير الوعي؛ لأنني حين أنصفه، أحرر فهمي للتجربة من أن يبقى أسيرًا لصورته.
ومن هنا قادنا الحوار إلى سؤال أشد عمقًا: "أليس الرب يرى ما يحدث، فلماذا لا يحرك ساكنًا؟"
هذا السؤال نفسه قد ينشأ من داخل الوعي التشخيصي؛ لأن الإنسان يرى الواقعة في حدود زمانها المباشر: يرى ألمًا، فينتظر رفعه؛ ويرى ظلمًا، فينتظر إيقافه؛ ويرى خسارة، فينتظر تعويضها. فإذا لم يحدث ما ينتظره، وصف المشهد بأنه سكوت. ولكن ماذا لو كان هذا السكوت موجودًا فقط في الصورة التي كوّنها وعينا عن الكيفية التي ينبغي أن يتدخل بها الرب؟ ماذا لو لم يكن عدم تغيّر الواقعة غيابًا للفعل، وإنما كان جزءًا من فعل يجري في مستوى لا تدركه العين التي توقفت عند التشخيص؟ هنا ينقلب السؤال من: "لماذا لم يمنع الرب عني ما حدث؟"، إلى: "ماذا لو كان ما حدث جزءًا من نظام حقّ وخير لا أستطيع إدراكه ما دمت أحاكم الكل من خلال الجزء الذي آلمني؟"
فالإنسان يرى اللحظة، بينما سؤال التجريد يتعلق بموقع اللحظة داخل الكل. ويرى الفقد، ولا يرى بالضرورة ما سيولد منه؛ ويرى الباب الذي أُغلق، ولا يرى المسار الذي فتحه إغلاقه؛ ويرى من آذاه بوصفه خصمًا، بينما قد تكشف التجربة، بعد اكتمال أبعادها التفاعلية، أن هذا الخصم كان أحد العوامل التي دفعت الوعي إلى طور آخر. وهنا يبلغ الإنصاف مستوى أكثر تجريدًا: أن ننصف الوجود نفسه من أحكامنا المتعجلة عليه.
فنحن كثيرًا ما نصف الواقعة بأنها شر لأننا تألمنا منها، ونصف عدم منعها بأنه سكوت، ونصف من تسبب بها بأنه شرير؛ ثم نبني حكمًا كليًا انطلاقًا من مشهد جزئي. أما التجريد فيدعونا إلى تعليق هذا الاستعجال، لا إنكارًا للألم ولا تبريرًا للظلم، وإنما اعترافًا بأن حقيقة التجربة أوسع من صورتها الأولى.
لذلك قد يكون السؤال الأعمق في الإنصاف ليس: "هل أنصفني الآخر؟"، بل: "هل أنصفتُ الآخر حين اختزلته في أذاه؟ وهل أنصفتُ التجربة حين اختزلتها في ألمي؟ وهل أنصفتُ الرب حين سمّيت ما لم أفهم حكمته سكوتًا؟". عندها يتحول الإنصاف من مجرد فضيلة تنظّم علاقتنا بالآخرين إلى مقام من مقامات الوعي؛ مقام يتحرر فيه الإنسان من أسر الصورة المباشرة، ليرى العلاقات والأحداث والألم والاستحقاق ضمن أبعادها التفاعلية الأوسع. وربما تكون المفارقة الكبرى هنا أن بعض ما سميناه شرًا لأنه آلمنا، لم يكن خيره في الألم ذاته، بل في المعنى الذي لم يكن ليولد فينا من دونه.
وعند هذه النقطة لا يعود التجريد إنكارًا للتشخيص، بل يصبح إنصافًا له؛ لأننا نضع الصورة في موضعها من الكل، بدل أن نجعل الصورة هي الكل. فالإنصاف التشخيصي يعطي كلَّ فاعل حقَّه في الحكم على فعله؛ أما الإنصاف التجريدي، فيحاول أن يعطي كلَّ تجربة حقَّها في المعنى.
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.