22-08-2026
حين بدأت قراءة المجلد الأول من موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للدكتور هاشم نصّار لم أشعر أنني أمام معرفة تُضاف إلى ما أعرفه، بل أمام زحزحة هادئة وعميقة تعيد ترتيب موضعي من الأشياء نفسها. كلما تقدمت في الصفحات، بدا أن بعض ما استقر في الوعي طويلًا بوصفه حقيقة نهائية بدأ يفقد صلابته، لا لأنه انهار، بل لأنه انفتح على أفق أوسع.
ومن هنا كان انبهاري الحقيقي بهذا الكنز المعرفي الذي أسسه الدكتور هاشم نصّار. فالمجلد الأول لا يكتفي بأن يمنح القارئ مفاهيم جديدة، بل يضعه أمام سؤال أشد عمقًا: هل ما نراه هو حقيقة الشيء، أم حدود ما سمحت لنا أدواتنا أن نراه منه؟
لهذا أسميه، من تجربتي في قراءته، مجلد الزحزحة.
فالزحزحة التي أحدثها في وعيي لم تكن انتقالًا من فكرة إلى فكرة، بل من مستوى في النظر إلى مستوى أوسع. وجدتني أعود إلى كثير من الأسئلة التي رافقتني سابقًا حول الإنسان، والصورة، والواقع، والحدود، لكنني أعود إليها هذه المرة بأدوات أكثر دقة تعلمتها داخل نسق الدكتور هاشم نصّار.
ومع الدكتور هاشم نصّار بدأت أفهم بوضوح أكبر أن التشخيص لا يُلغى، بل يُضبط، وأن التجريد لا يمحو التعيّن، بل يحرره من أن يتحول إلى سجن.
فالتشخيص ضرورة؛ لأننا لا نعيش بلا أسماء ولا حدود ولا تعيّن. لكن الخطر يبدأ حين يتحول الاسم إلى الحقيقة كلها، والصورة إلى الأصل، والحد إلى نهاية المعنى. وهنا يأتي التجريد ليعيد للوعي قدرته على العبور من الصورة إلى ما تكشفه من علاقات أوسع، دون أن يفقد الشيء تعيّنه.
ومن هذا التعليم تشكلت في داخلي تدريجيًا طريقة أعمق للنظر: أن نحفظ للشيء تعيّنه وحدوده، ثم ننظر فيما يكشفه من علاقات تتجاوز صورته الجزئية.
وهنا تظهر، في تقديري، قيمة الدكتور هاشم نصّار كمؤسس بالفعل.
فالمؤسس لا يكتفي بابتكار مصطلحات، بل يبني نسقًا يستطيع أن يعيد تشكيل طريقة النظر نفسها. والتشخيص، والتجريد، والكثافة، والتموج، والرجعى، والشهود، والمصدر، والاستقلال، وفك الارتباط، والمعايرة، ليست في المجلد الأول مفردات متناثرة، بل أجزاء من هندسة فلسفية واحدة تعيد بناء علاقة الإنسان بالمعرفة والوجود.
ومن أكثر ما أثّر فيّ داخل هذا المجلد أن الدكتور هاشم نصّار لا يجعل محدودية الحواس معيارًا لحدود الحقيقة.
فالإنسان يرى ضمن مدى، ويسمع ضمن مدى، ويفكر داخل لغة وذاكرة وتجربة. لكن محدودية الأداة لا تساوي محدودية الوجود. وهذه الفكرة وحدها كافية لأن تهز كثيرًا من اليقين الذي نبنيه فقط لأننا ألفنا أدواتنا.
وهنا يصبح التجريد عند الدكتور هاشم نصّار فعلًا من أفعال التحرر المعرفي.
ليس هروبًا من الواقع، ولا إنكارًا للمادة، بل رفضًا لاختزال الوجود في المستوى الذي تدركه كثافتنا الحالية.
ومن هنا تبلورت عندي فكرة «الأرض غير الأرض» لا كتصور منفصل عن المجلد، بل كمعنى اختباري كثيرًا ما شعرت أن الدكتور هاشم نصّار يفتح نحوه الأبواب دون أن يحصره في صيغة واحدة. فحين يعيد الوعي معايرة أدواته، وحين تتراجع سلطة الصورة، وحين لا يعود المحسوس هو الحد الأخير للوجود، يصبح السؤال مشروعًا: هل تتبدل الأرض فقط عندما يتبدل شكلها، أم يمكن أن تتبدل أيضًا حين يتبدل الوعي الذي يدركها؟
بهذا المعنى، تصبح «غير الأرض» أقرب إلى تحول في مقام الإدراك قبل أن تكون مجرد انتقال في المكان. ليست قطيعة مع الواقع، بل كشفًا لمستوى أوسع منه؛ وكأن الأرض التي نعرفها ليست نهاية الحقيقة، وإنما صورتها داخل مستوى بعينه من الوعي.
ومن هنا أيضًا أفهم الانتقال من البعد الثالث إلى أبعاد أسمى.
ليس كرحلة خيالية خارج الواقع، بل كارتقاء في قدرة الوعي على استقبال مستويات أوسع من المعنى؛ من وعي لا يرى إلا الكتلة والمسافة والحد، إلى وعي يرى العلاقة، والسنّة، والشيفرة، والاتصال، والبنية التي تتحرك خلف الظاهر.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية فلسفة الدكتور هاشم نصّار بالنسبة إليّ كفلسفة تؤسس لمرحلة فكرية قادمة.
فنحن ندخل زمنًا لن تكون مشكلته نقص المعلومات. الذكاء الاصطناعي قادر اليوم على إنتاج اللغة والصورة والتحليل بسرعة هائلة، ولذلك لن يصبح السؤال الأهم: كم يعرف الإنسان؟
بل: من الذي يدير المعرفة داخله؟
هل بقي الإنسان سيد الأداة؟
هل ما زال قادرًا على التمييز بين الأصل والصورة؟
بين المعلومة والوعي؟
بين التشخيص والحقيقة؟
وهنا تبدو فلسفة التشخيص والتجريد للدكتور هاشم نصّار شديدة الراهنية، لأنها لا تحذرنا من المعرفة، بل من تحوّل صورتها إلى سلطة، ولا من الأداة، بل من أن يصبح الإنسان تابعًا لما صنعه.
ولهذا لا أرى في موسوعة الدكتور هاشم نصّار مجرد مشروع ثقافي كبير، بل كنزًا معرفيًا وتأسيسيًا يستحق أن يُقرأ باعتباره إعلانًا عن إمكان مرحلة جديدة في التفكير.
والمجلد الأول هو عتبتها.
ليس لأنه يشرح كل شيء، بل لأنه يبدأ بإعادة تشكيل القارئ الذي سيواصل السير في بقية الموسوعة.
لقد دخلت هذا المجلد وأنا أحمل أسئلتي، وخرجت منه بأسئلة أكثر اتساعًا، لكن بأداة أكثر قدرة على فحصها.
وهنا تكمن الزحزحة الأعمق التي أحدثها الدكتور هاشم نصّار في تجربتي:
لم أعد أسأل فقط:
ماذا أرى؟
بل أصبحت أسأل:
من أي مستوى من الوعي أرى؟
وربما من هذا السؤال تحديدًا تبدأ الطريق من كثافة الصورة إلى رحابة المعنى، ومن البعد المألوف إلى أبعاد أسمى، ومن الأرض التي اعتدناها إلى إمكان غير الأرض.
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.