نموذج إبراهيم عليه السلام قراءة تحليلية وفق فلسفة التشخيص والتجريد كما يقدمها الدكتور هاشم نصار بقلم عصام أبو سنينة – مستشار الفلسفة الإكلينيكية

23-02-2026

نموذج إبراهيم عليه السلام قراءة تحليلية وفق فلسفة التشخيص والتجريد كما يقدمها الدكتور هاشم نصار بقلم عصام أبو سنينة – مستشار الفلسفة الإكلينيكية

نموذج إبراهيم عليه السلام
قراءة تحليلية وفق فلسفة التشخيص والتجريد كما يقدمها الدكتور هاشم نصار
بقلم عصام أبو سنينة – مستشار الفلسفة الإكلينيكية

مقدمة:
حين نتأمل نموذج إبراهيم عليه السلام من خلال عدسة فلسفة التشخيص والتجريد كما يطرحها الدكتور هاشم نصار، فإننا لا نقف أمام قصة نبوية فحسب، بل أمام منهج معرفي تربوي متكامل، يبدأ من الواقع المحسوس (التشخيص)، لينتهي إلى الحقيقة المجردة (التجريد)، في مسار تصاعدي يعيد تشكيل الوعي الإنساني.
إبراهيم عليه السلام لم يطرح الحقيقة دفعة واحدة، بل قاد العقل إليها قيادةً تربوية واعية؛ فبدأ بتشخيص الواقع كما هو: كواكب، قمر، شمس، أصنام، سلطة، ملك… أي كل ما يمكن أن يتعلّق به الإدراك الحسي للإنسان. ثم أخذ هذا التشخيص بيد المتلقي نحو التفكيك، لا بالهدم المباشر، بل بالحوار، وبإثارة السؤال، وبكشف التناقض الداخلي في الفكرة ذاتها. وهنا تتجلى عبقرية المنهج الإبراهيمي؛ إذ لا يُسقط الفكرة من الخارج، بل يجعلها تسقط من داخلها.
في جداله مع الذي حاجّه في ربه، نرى انتقالًا ذكيًا من مستوى جدلي قابل للمراوغة (أنا أحيي وأميت)، إلى مستوى كوني مجرد لا يمكن التحايل عليه (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق). هذا الانتقال ليس مجرد حجة، بل هو نقلة من التشخيص المغلوط إلى التجريد اليقيني.
وفي رحلته مع الكوكب والقمر والشمس، لا نجد ترددًا في الإيمان، بل نرى تمرينًا عقليًا تربويًا يُدرِّب الوعي على تجاوز الظاهر إلى الحقيقة؛ فكل تشخيص (هذا ربي) يُفكَّك عبر معيار الأفول، ليؤسس في النهاية لمفهوم تجريدي خالص: ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض﴾. هنا يبلغ العقل ذروة التجريد بعد أن مرّ بمراحل التشخيص المتدرجة.
أما في حواره مع أبيه وقومه، فيتجلى البعد الإنساني التربوي؛ خطاب مليء بالرفق (يا أبتِ)، لكنه في الوقت ذاته صارم في كشف الوهم. إنه لا يصادم الأشخاص، بل يصادم الأفكار، ولا يهدم الانتماء، بل يعيد بناءه على أساس الوعي.
إن النموذج الإبراهيمي، وفق هذا المنظور، ليس مجرد دعوة إلى التوحيد، بل هو دعوة إلى تحرير العقل من أسر التشخيص السطحي، والارتقاء به نحو التجريد العميق؛ من عبادة الصورة إلى إدراك الحقيقة، ومن التبعية للواقع إلى إعادة تشكيله وفق وعيٍ يقيني.
وهكذا، يغدو إبراهيم عليه السلام ليس فقط نبيّ التوحيد، بل معلمًا للوعي، ومؤسسًا لمنهج جدلي تربوي، يعبر بالإنسان من المحسوس إلى المعقول، ومن الظاهر إلى الجوهر، في رحلةٍ هي جوهر كل نهضةٍ إنسانية حقيقية.


المبحث الأول: الآيات التي تتحدث عن نموذج إبراهيم عليه السلام:
♦ ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 258].
♦ ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 260].
♦ ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ [الأنعام: 74 - 89].
♦ ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴾ [مريم: 41 - 50].
♦ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 51 - 73].
♦ ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 69 - 89].
المبحث الثاني: كيف يؤسس قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (الأنبياء 51)، لفهم يقين إبراهيم عليه السلام ومنهجه الجدلي في الدعوة، وينفي شبهة الشك عن إيمانه؟
يشكّل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ نقطة تأسيسية مركزية لفهم البنية المعرفية والوجودية لنموذج إبراهيم عليه السلام، إذ تقطع هذه الآية الطريق على أي قراءة سطحية قد تُوهم بأن مساره كان مسار شكٍّ أو تردد، وتؤكد بدلًا من ذلك أن انطلاقته كانت من الرشد لا من الضياع، ومن اليقين المؤسس لا من القلق المعرفي. فالرشد هنا ليس مجرد هداية عامة، بل هو وعي مبكر مركّب يجمع بين الإيمان والعلم والمعرفة؛ أي أنه حالة من النضج الإدراكي التي تؤهّل صاحبها ليمارس التفكيك والبناء في آنٍ واحد. وهذا المعنى ينسجم تمامًا مع منهج التشخيص والتجريد؛ حيث لا يكون الانتقال من المحسوس إلى المجرد انتقال الباحث المتردد، بل انتقال العارف الذي يوظّف التشخيص كأداة تعليمية، لا كمرحلة ضياع حقيقي.
ومن هنا، فإن كل الحوارات الإبراهيمية، سواء مع أبيه، أو قومه، أو الملك، يجب أن تُفهم ضمن هذا الإطار، إطار الرشد السابق. فحين يقول: ﴿هذا ربي﴾ في سياق الكوكب والقمر والشمس، فليس ذلك تعبيرًا عن اعتقاد، بل بناءٌ مقصود لمسار جدلي تعليمي طبقي، يبدأ من مسلّمات الخصم، ثم يرتقي بها تدريجيًا نحو إسقاطها من داخلها. إنه يمارس التشخيص ليكشف محدوديته، ويقود إلى التجريد بوصفه الحقيقة الثابتة.
وبهذا المعنى، فإن الآية تُعيد تأطير الحوار الإبراهيمي بوصفه حوارًا كاشفًا لا حوارًا باحثًا. أي أنه لا يبحث عن الحقيقة لأنه يجهلها، بل يكشفها لأنه يمتلكها. وهذا فارق جوهري في فهم طبيعة الجدل عند إبراهيم عليه السلام؛ إذ يتحول الحوار من حالة دفاع إلى حالة بناء، ومن ردّ فعل إلى فعلٍ مقصود يُعيد تشكيل وعي المتلقي. كما أن قوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ يضيف بعدًا عميقًا لهذا التأسيس؛ فهو يشير إلى أن هذا الرشد لم يكن طارئًا، بل كان معلومًا في علم الله، أي أنه متجذّر في تكوين إبراهيم عليه السلام، ومؤهَّل به لحمل مشروع الهداية. وهذا يمنح حواراته بُعدًا رساليًا، لا مجرد اجتهاد عقلي فردي.
وعليه، فإن الآية تمثل ردًا ضمنيًا على كل من حاول قراءة التجربة الإبراهيمية بوصفها تجربة شك، أو تصوير تسلسلها بوصفه انتقالًا من الضلال إلى الهداية؛ إذ تؤكد أن ما يبدو ظاهريًا تدرجًا في البحث، هو في حقيقته تدرج في التعليم. فإبراهيم عليه السلام لم يكن ينتقل بين الأفكار ليصل إلى الله، بل كان ينقل الآخرين من أوهامهم إلى الحقيقة. إن هذا الفهم يفتح الباب أمام قراءة أعمق لأسلوبه الجدلي في الدعوة؛ حيث يتأسس على ثلاثة أبعاد متكاملة: يقين سابق (الرشد)، ووعي بمنهج العرض (التشخيص)، وقدرة على الارتقاء بالمتلقي (التجريد). ومن هذا التكامل، يتشكل النموذج الإبراهيمي بوصفه نموذجًا تربويًا حواريًا، لا يكتفي بإعلان الحقيقة، بل يصنع الطريق إليها داخل عقل الإنسان ذاته.

المبحث الثالث: أمثلة قرآنية لتوضيح نموذج إبراهيم عليه السلام بين التشخيص والتجريد
1- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 258].
يقدّم هذا المقطع القرآني نموذجًا مكثّفًا لطبيعة الجدل عند إبراهيم عليه السلام، حيث لا يقوم الحوار على مجرد عرض الفكرة، بل على إدارةٍ واعية لمسار الحُجّة، وفق بناءٍ تصاعدي يكشف زيف الخصم ويُظهر الحقيقة في آنٍ واحد. ففي البداية، يطرح إبراهيم عليه السلام تعريفًا تجريديًا لله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، وهو تعريف يتجاوز الحسّ إلى المعنى الكلي للقدرة الإلهية. لكن الخصم (نمرود بن كنعان بحسب ما ورد في التفسير) يعيد هذا المعنى إلى مستوى التشخيص السطحي، حين يزعم: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، عبر تأويل مغلوط لمفهوم الإحياء والإماتة. هنا تتجلى عبقرية المنهج الإبراهيمي؛ إذ لم ينشغل بالرد داخل الإطار نفسه الذي حرّفه الخصم، بل انتقل بالحوار نقلة نوعية، من مستوى قابل للالتباس إلى مستوى لا يقبل التأويل. فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾، وهذا انتقال من جدل مفاهيمي قابل للّعب إلى جدل كوني حاسم، يضع الخصم أمام حقيقة لا يستطيع التلاعب بها: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾. وبالتالي يمكننا هنا استخلاص ملامح النموذج الجدلي الإبراهيمي:
أولًا: الانطلاق من المشترك المفهومي
إبراهيم يبدأ من فكرة يمكن للطرف الآخر أن يتفاعل معها (الإحياء والإماتة)، لكنه لا يفرض الحقيقة فرضًا، بل يفتح مجالًا للحوار.
ثانيًا: كشف التلاعب التشخيصي
حين يُسيء الخصم فهم المفهوم أو يحرّفه، لا يهاجمه مباشرة، بل يكشف محدودية منطقه من خلال تجاوزه.

ثالثًا: النقلة الجدلية الحاسمة
وهي أهم خصائص هذا النموذج؛ حيث ينتقل من مستوى جدلي قابل للمراوغة إلى مستوى كوني يقيني، يُسقط الخصم دون حاجة إلى جدال طويل.
رابعًا: إفحام بلا صدام
النتيجة: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾، أي أن الحُجّة أسقطت الخصم من داخله، دون انفعال أو تصعيد شخصي.
خامسًا: التدرّج من التشخيص إلى التجريد
فالمفهوم الأول (الإحياء والإماتة) أُسيء تشخيصه، فانتقل إبراهيم إلى تجريد أعلى (النظام الكوني للشمس)، ليعيد توجيه الوعي نحو الحقيقة.
إن هذا النموذج يكشف أن الجدل عند إبراهيم عليه السلام ليس صراعًا لإثبات الذات، بل عملية تربوية لإعادة بناء عقل الخصم. فهو لا يكتفي بإبطال الفكرة، بل ينقل المتلقي من وهم السيطرة إلى إدراك العجز، ومن التمركز حول الذات إلى الانفتاح على الحقيقة المطلقة. وبذلك، يغدو الجدل الإبراهيمي نموذجًا راقيًا في إدارة الحوار: حوارٌ يختار معركته بدقة، وينتقل بين مستوياته بذكاء، وينتهي بإظهار الحقيقة دون أن ينزلق إلى جدلٍ عقيم أو صراعٍ شخصي.

2- ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 51 - 73].
يُقدّم هذا المقطع القرآني نموذجًا أكثر عمقًا واتساعًا في الجدل عند إبراهيم عليه السلام، حيث لا يقتصر الجدل على ردّ الحجة، بل يتحوّل إلى مسار تربوي متدرّج لإعادة بناء الوعي، قائم على الانتقال الذكي من التشخيص إلى التجريد. يبدأ المشهد من تشخيص الواقع العقدي: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾، وهو سؤال لا يهاجم بقدر ما يكشف، إذ يضع الفعل موضع مساءلة عقلية. ثم يأتي التقرير: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وهو حكم مبني على رؤية معرفية، لا على انفعال. لكن التحول الأعمق يظهر في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، حيث يتم تأسيس الرؤية التجريدية الكبرى التي ينطلق منها إبراهيم؛ أي أن ما سيأتي ليس بحثًا عن الحقيقة، بل عرضٌ لها عبر مسارٍ تعليمي. في تجربة الكوكب والقمر والشمس، نرى نموذجًا فريدًا من الجدل التربوي: إبراهيم لا يُلقي الحقيقة مباشرة، بل يُشرك المتلقي في بنائها. يبدأ من التشخيص الحسي: (هذا ربي)، وهو تعبير يلامس وعي القوم، ثم يضع معيارًا داخليًا للنقد (الأفول). ومع كل مرحلة، لا يفرض النتيجة، بل يتركها تتولد من داخل التجربة ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾. وهنا تتجلى ملامح النموذج الجدلي الإبراهيمي في هذا السياق:
أولًا: المحاكاة الواعية لوعي الخصم
إبراهيم يتكلم بلغة القوم، لا ليقرّها، بل ليعيد توجيهها من الداخل.
ثانيًا: بناء المعيار من داخل التجربة
لم يقل لهم مباشرة هذه ليست آلهة، بل جعل معيار الألوهية يتشكل تدريجيًا: الثبات، عدم الأفول، الكمال.
ثالثًا: التدرج التصاعدي في الحجة
من كوكب، إلى قمر، إلى شمس، انتقال ليس في الأجرام فقط، بل في مستوى الحجة، حتى تبلغ ذروتها ثم تنهار كلها بمعيار واحد.

رابعًا: الانتقال الحاسم إلى التجريد
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، هنا ينتقل من كل تشخيص ممكن إلى حقيقة مجردة مطلقة: الخالق، لا المخلوق.
خامسًا: تحويل الجدل إلى مراجعة داخلية
﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (في موضع آخر من القصة)، وهو الهدف الأسمى: أن يتحول الجدل من صراع خارجي إلى يقظة داخلية.
ثم يتصاعد الحوار إلى مستوى آخر، حين يحاجّه قومه، فيُعيد ضبط ميزان الخوف والأمن: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾، فيحوّل القضية من مجرد نقاش فكري إلى سؤال وجودي يمسّ شعور الإنسان بالأمان والمعنى. إن هذا النموذج يكشف أن الجدل الإبراهيمي هنا ليس تفنيدًا للأصنام فقط، بل تفكيك لبنية التفكير الوثني؛ إذ ينتقل بالإنسان من التعلّق بالمحسوس، إلى اختبار خصائصه، إلى اكتشاف نقصه، إلى البحث عن الكمال، إلى الإقرار بالحقيقة المطلقة. وبذلك، يصبح إبراهيم عليه السلام ليس مجرد محاور، بل مربّيًا للعقل؛ يقود خصمه عبر تجربة فكرية كاملة، تجعله يصل إلى النتيجة بنفسه، لا أن تُفرض عليه. وهنا تبلغ فلسفة التشخيص والتجريد ذروتها: تشخيصٌ يُستخدم لا لترسيخ الوهم، بل لكشفه، وتجريدٌ لا يُطرح كفكرة مجردة، بل كنتيجة حتمية لمسارٍ واعٍ من النظر والتأمل.

3- ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 69 - 89].

يُجسّد هذا المقطع من سورة الشعراء نموذجًا ناضجًا من الجدل عند إبراهيم عليه السلام، حيث يبلغ الحوار ذروته في الانتقال من تفكيك الباطل إلى بناء الحقيقة، ضمن مسارٍ يجمع بين الحُجّة العقلية والتربية الوجدانية. حيث يبدأ إبراهيم بسؤال تشخيصي بسيط في ظاهره، عميق في بنيته: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾، وهو سؤال لا يقدّم حكمًا، بل يستفز الوعي ليُعرّف ذاته. فيأتي الجواب كاشفًا: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، فيُظهر التعلّق والسلوك دون وعي بالحقيقة. وهنا يبدأ التفكيك المنهجي، عبر أسئلة تقود إلى إسقاط القيمة الوهمية للمعبودات: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾، ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾، ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾. إنه لا يهاجم الأصنام مباشرة، بل يفكك علاقتهم بها، ويعيد تقييمها وفق معايير عقلية: السمع، النفع، الضرر. لكن الجواب يأتي من خارج العقل: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وهنا ينكشف أن أساس الاعتقاد ليس الحقيقة، بل التقليد. وعند هذه النقطة، ينتقل إبراهيم نقلة حاسمة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾، فيحوّل الحوار من الدفاع عن الموروث إلى مساءلته، ثم يعلن موقفه بوضوح: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾. لكن عبقرية النموذج لا تقف عند التفكيك، بل تبدأ مرحلة أعمق: بناء البديل الحق. فيعرض إبراهيم تصورًا تجريديًا لله، ولكن عبر وظائف وجودية تمسّ الإنسان مباشرة: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾. وهنا يتحول التجريد إلى تجربة معاشة؛ فالله ليس مفهومًا نظريًا، بل حضور فاعل في كل أبعاد الحياة. وأما ملامح النموذج الجدلي الإبراهيمي في هذا السياق:
أولًا: السؤال التشخيصي الكاشف
البداية بسؤال يعرّي الواقع دون صدام، ويجعل الخصم يصرّح بموقفه بنفسه.
ثانيًا: تفكيك الاعتقاد عبر معايير وظيفية
ليس النقاش حول من هو الإله؟ بل ماذا يفعل؟، وهو نقل ذكي من الهوية إلى الفاعلية.
ثالثًا: كشف الجذر النفسي (التقليد)
إبراهيم لا يكتفي بإسقاط الفكرة، بل يكشف منشأها: الاتّباع الأعمى.
رابعًا: الجمع بين التفكيك والبناء
بعد إسقاط الباطل، لا يترك فراغًا، بل يملؤه مباشرة بالتصور الحق.

خامسًا: تحويل التجريد إلى معايشة وجودية
الله يُعرّف عبر أثره في الوجود الإنساني، لا عبر تعريفات مجردة فقط.
سادسًا: الانتقال من الجدل إلى الدعاء
في ختام المقطع، يتحول الخطاب من حوار مع الآخرين إلى مناجاة: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا...﴾. وهذا يكشف أن الحقيقة ليست قضية فكرية فقط، بل علاقة وجودية حيّة. إن هذا النموذج يكشف أن الجدل عند إبراهيم عليه السلام هنا قد تطوّر من مجرد إبطال الشرك، إلى إعادة تأسيس العلاقة مع الله على مستوى العقل والقلب معًا. فهو لا يحرّر الإنسان من صنمٍ خارجي فقط، بل من صنمٍ داخلي أعمق: صنم التقليد، وصنم العادة، وصنم الغفلة. وبذلك، تتجلى فلسفة التشخيص والتجريد بأبهى صورها: تشخيصٌ يكشف الوهم في جذوره، تجريدٌ يعيد بناء الحقيقة كخبرةٍ حيّة، لا كمفهومٍ نظري فقط.

المبحث الرابع: خاتمة نموذج إبراهيم عليه السلام
في ختام هذا المسار، يتبيّن أن نموذج إبراهيم عليه السلام في الدعوة ليس مجرد عرضٍ لحججٍ عقلية متفرقة، بل هو بناءٌ منهجيّ متكامل، يقوم على هندسة الوعي الإنساني عبر مرحلتين متلازمتين: التشخيص والتجريد. فقد كشف إبراهيم، من خلال حواراته المتعددة، أن أصل الانحراف لا يكمن في ضعف الحجة فحسب، بل في خللٍ في آلية النظر ذاتها؛ حيث يبدأ الإنسان من التسليم بالموروث، أو الارتهان للمحسوس، أو الخضوع للسلطة، دون أن يُخضع ذلك كلّه لميزان الفحص العقلي والوجودي. ومن هنا جاء التشخيص الإبراهيمي دقيقًا، لا يهاجم الظواهر بقدر ما يكشف بنيتها، ولا يصادم النتائج بقدر ما يعود إلى جذورها. ثم يتدرّج هذا المسار نحو التجريد، لا بوصفه انفصالًا عن الواقع، بل بوصفه تحريرًا للوعي من أسر الجزئي إلى أفق الكلي؛ حيث ينتقل الإنسان من عبادة الظواهر إلى إدراك المبدأ، ومن التعلّق بالمتغيّر إلى الاتصال بالمطلق، ومن الانشغال بالفعل إلى الانتباه إلى الفاعل.
إن الجدل الإبراهيمي، في ضوء هذا الفهم، ليس صراعًا لإثبات الغلبة، بل حركة إيقاظ، تستهدف نقل الإنسان من التلقّي السلبي إلى المشاركة الواعية، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن التكرار إلى الاكتشاف. ولذلك، كان يعتمد السؤال أكثر من التقرير، والتدرّج أكثر من الصدمة، وبناء القناعة أكثر من فرضها. كما يتضح أن هذا النموذج لا ينفصل فيه العقلي عن الوجودي، ولا البرهاني عن التربوي؛ إذ تنتهي كل حجة إلى إعادة تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبربه، بحيث تصبح الحقيقة مُعاشة لا مُجرّدة فقط، ومُدرَكة لا مُلقاة.
وعليه، فإن استحضار النموذج الإبراهيمي اليوم لا ينبغي أن يكون بوصفه قصةً تاريخية، بل باعتباره منهجًا حيًّا في التغيير؛ قادرًا على تفكيك أنماط التفكير الجامدة، وإعادة بناء الإنسان على أساس من الوعي، والحرية، واليقين.
تُعدّ فلسفة التشخيص والتجريد التي أسّسها هاشم نصار نسقًا فكريًا متكاملًا يقوم على ثنائية دقيقة؛ حيث يعبّر التشخيص عن الارتباط بالبعد البشري في تجلياته الحسية والواقعية، بينما يعبّر التجريد عن البعد الإنساني الروحي الذي يسمو بالمعنى ويتجاوز حدود الظاهر. ومن هذا التفاعل تنبثق رؤى معاصرة مثل أنسنة الآلة ورقمنة الإنسان، بوصفهما امتدادًا لهذا التصور الذي يسعى إلى وصل الواقع المادي بأفقه المعنوي والفكري. ولا تقف هذه الفلسفة عند حدود التنظير، بل تتجه نحو تجاوز الانغلاق الديني والفكري، لتؤسس لوحدة إنسانية قائمة على العدالة والرحمة والاعتراف بالتنوع، كما تقدم معالجة للأسئلة الوجودية عبر فصل مبحث الله عن الوجود، وبناء القضايا المعرفية والقيمية على ضوء ثنائية التشخيص والتجريد، بما يحقق توازنًا بين تراث الأولين وعلوم المتأخرين. وقد جاءت هذه الفلسفة ثمرة مسار طويل من البحث والدراسة منذ عام 1997، ومن المنتظر أن ترى صورتها المكتوبة النور قريبًا بإذن الله.
وفي هذا السياق، تتجلى القيمة التطبيقية لهذه الفلسفة في قدرتها على إعادة قراءة النماذج القرآنية، وعلى رأسها نموذج إبراهيم عليه السلام، قراءةً معاصرة تُفعّل العقل وتحرّر الوعي؛ إذ لا تقف عند حدود الفهم النظري للنص، بل تنقله إلى حيّز الفعل والتجربة. فالمقصود ليس الوقوف عند كيفية الجدل الإبراهيمي بوصفه حدثًا تاريخيًا، بل استحضار منهجه كأداة إبصار، نتعلّم من خلالها كيف نسأل بوعي، وكيف نتحرر من أسر التقليد، وكيف نرتقي إلى يقينٍ مؤسس على الإدراك لا على التلقّي. وبذلك، يصبح الإنسان فاعلًا في إنتاج وعيه، لا مجرد متلقٍ له، متجهًا نحو إنسانيةٍ أعمق تتوازن فيها المعرفة مع القيم، والعقل مع الروح.

التعليقات:

Afaf: ماشاء الله أكثر من رائع بوركت كوتش عصام بارك الله فيك وفي الدكتور الفاضل هاشم نصار وإن شاء الله الكتاب يصل إلي كل قلوب الناس ..

2026-02-24 22:15:43
Salah hakimi : شكرا كوتش عصام
2026-02-24 19:13:54
Asmaa.T.Yaseen: شكراً أستاذ عصام لهذا الطرح الرائع ولهذه القراءة التي أعادت إبراهيم من كونه محاورًا ناجحًا إلى كونه بانيَ وعي فالقضية عنده لم تكن كسبَ جدلٍ ولا إسقاطَ خصم..ولكن تصحيح زاوية النظر ذاتها..لذلك كان يسأل أكثر مما يقرّر لأن السؤال يحرّر العقل بينما التقرير يملؤه فقط..
...هو حقًا كما أسماه ربنا(أمة)
سعدت بقرائتي.. وأكرر شكري أستاذنا الفاضل..

2026-02-24 13:05:50