رحلة الوعي الإنساني من التشخيص الى التجريد بقلم الدكتورة علا كساب

11-10-2025

رحلة الوعي الإنساني من التشخيص الى التجريد بقلم الدكتورة علا كساب

رحلة الوعي من التشخيص إلى التجريد: تمعّرج النفس وارتقاؤها

يمثل هذا النموذج الفلسفي للوعي خارطة دقيقة لارتقاء النفس البشرية، لا مجرد أدوات معرفية، بل مسار داخلي تمعّجي متدرّج يمتد إلى ما بعد المستوى السابع، وصولًا إلى المستوى الثامن: النور المطلق.

النموذج لا يتصور الوعي كخط مستقيم أو دائرة واحدة، بل كمربعين متوازيين، كل مربع مقسّم إلى مثلثين:

المربع الأول: مثلث للتشخيص وآخر للتجريد، ليجسّد التدرج من إدراك الماديات إلى استيعاب المعاني العليا.

المربع الثاني: مثلث للنار وآخر للنور، ليعبّر عن الطاقات الداخلية للنفس بين الغضب والطموح والاندفاع، والحكمة والصفاء والنور.

كل مربع يتدرج سبع مرات، من المستوى الأول إلى المستوى السابع، ليبيّن الارتقاء المستحق والمتدرّج للنفس. لا قفزات هنا، بل إتمام كل مستوى على وعي واستحقاق، حيث تُكتسب المعارف والمهارات والتجارب عبر التمعّج الداخلي. فالسقوط إلى مستوى أدنى ليس عقابًا، بل فرصة لإتمام الدروس غير المستوعبة.

المربع الأول: التشخيص والتجريد

المثلث الأيسر – التشخيص: إدراك المادة والحواس والقوانين الملموسة.

المثلث الأيمن – التجريد: فهم المعاني العليا والقوانين الروحية.

المستوى الأول: نقطة البداية، حيث يقف الإنسان جاهلاً، متأملاً حدود الإدراك الحسي الأول.
المستويات 2–7: ارتقاء تدريجي، يُنمّى فيه الوعي المادي والروحي معًا، ويزداد الإدراك تعقيدًا وعمقًا، ولا يتم الارتقاء إلا باستحقاق كل مرحلة.

المربع الثاني: النار والنور

المثلث الأيسر – النار: اندفاع، تمرّد، طاقة داخلية قد تكون خلاقة أو مدمرة.

المثلث الأيمن – النور: حكمة، صفاء، إشعاع داخلي يوازن الطاقة ويحوّلها إلى إدراك سليم.

التوازن النفسي: يتحقق حين تُدار هاتان الطاقتان معًا، فالطين يهدئ نار الغلو، والنار تُنشّط الطين بالحياة والحركة، فتتحوّل النار إلى شفاء دافئ والطين إلى ثبات حيّ، ليصبح الإنسان متوازنًا ومستعدًا للصعود إلى ما وراء المستوى السابع، أي إلى تمعّج النور المطلق.

الزمن كنسق طباقي

الزمن ليس خطًا مستقيمًا يزول بالغياب، بل دائرة طباقية تعود في كل التفاف بنسخة أعمق مما كنّا. كل تغيّر في الطبيعة هو رجع صدى في أعماقنا، يزورنا كقلق مبهم أو إلهام مفاجئ. نحن لسنا منفصلين عن هذا النسيج الأعظم، وما نسميه "ظواهر" ليس خارجنا، بل انعكاس لما في داخلنا.

عند كل منعطف كوني تُفتح أمامنا بوابات: إما أن نصغي بوعي فنستقبل التحوّل ونتجدد، أو نغلق أعيننا فنظل غرباء عن ذواتنا. والخيار دائمًا واحد: أن نحضر حين يفتح الكون بابه، أو نترك اللحظة تمر كما لو لم تكن.

الطين والنار: ثنائية داخلية

في داخلنا طبيعتان أساسيتان:

الطينية: تشدنا إلى الأرض، الحذر، الركود، والماديات، حتى نرى حدودنا بما تراه الحواس وحدها.

النارية: تدفعنا إلى الاندفاع، التمرّد، والمغامرة، وقد تحرق إذا انفلتت.

الارتقاء الحقيقي يتحقق حين تُدار هاتان الطاقتان معًا: الطين يطفئ نار الغلو، والنار تنعش الطين بالحركة والحياة. عندها تتحول النار إلى شفاء دافئ، والطين إلى ثبات حيّ، ليصبح الإنسان متوازنًا ومستعدًا للصعود إلى تمعّج النور المطلق.

الجن والنور: تصحيح المفاهيم الفلسفية

النموذج يؤكد أن الطبيعة النارية داخل الإنسان ليست الجن، فالجن كائن مستقل له عالمه وإدراكه وتكليفه، بينما الطبيعة النارية في النفس هي طاقة داخلية مشتركة.

الملائكة تمثل الطاقة النورانية، دون أن يعني ذلك أنها نحن أو جزء منا. هذه المقاربة تؤكد أن الوجود متعدد الأبعاد، والطاقة تتقاطع دون أن تذوب في الجوهر، وأن الصفات تتقاطع دون اتحاد الجوهر.

ما بعد المستوى السابع: رحلة النور المطلق

الارتقاء إلى ما بعد المستوى السابع ليس مجرد صعود معرفي، بل تحوّل كلي للنفس. في هذا المستوى، تذوب الفواصل بين التشخيص والتجريد، بين الطين والنار، وبين الذات والكون. يظهر النور المطلق، حيث يتكشف المعنى الكامل للوجود، ويتجلّى الوجه الإلهي في كل تجربة ومسار.

النفس في هذا المستوى تدرك أن كل ظاهرة خارجية انعكاس لداخليتها، وأن الزمن طباقي، وأن الطين والنار عناصر للانسجام الداخلي، والجن والملائكة مخلوقات حقيقية تتقاطع صفاتها معنا دون وحدة الجوهر.

خاتمة

هذا النموذج ليس مجرد تصور معرفي، بل خارطة لارتقاء النفس البشرية وتمعّجها عبر المستويات السبعة وما بعده. إنه يربط بين المادة والروح، بين الطاقة والطين، بين التشخيص والتجريد، ليكشف أن النور المطلق هو الوجه النهائي للوعي، حيث تتجلى الحقيقة الواحدة ويظهر الوجه الإلهي في كل مستوى ومسار. ختامًا، أتقدّم بجزيل الشكر للأستاذ معتز قواس على الرسم البياني الرائع الذي يجسد كل ما سبق شرحه في هذا المقال، موفّرًا تصورًا بصريًا دقيقًا وواضحًا لمسار ارتقاء النفس وتمعّجها في رحلة الوعي من التشخيص إلى التجريد، ومن الطين والنار إلى النور المطلق، مما أتاح للقارئ فهمًا أعمق للهيكل السباعي للنفس الإنسانية ومسار تطورها.

التعليقات:

Asmaa: رؤية عميقة لحركة الوعي بوصفها انتقالًا تدريجيًا من المادة إلى النور...مع الحفاظ على تكامل العناصر لا صراعها..!
و أن التجربة الخارجية ليست إلا مرايا للباطن.. وأن الوعي الحقيقي يبدأ حين ندرك أن الكون ليس منفصلًا عنا بل ممتدًا فينا...
نجح النموذج في توحيد البعد الروحي مع البعد الوجودي عبر مسار سباعي يجعل الإنسان مشروعا مستمرًا للتشكل لا كيانًا مكتملًا...
شكرا جزيلا لك د.علا اختصرتي فلسفة د.هاشم نصار في طرح مكثف.. يزاوج بين الرمز والمعرفة ويحوّل الوعي من مجرد فهم ذهني إلى رحلة ارتقاء شاملة...
شكرا لك وللدكتور هاشم على هذه الرؤية الشمولية المتسعة..
2025-11-17 13:43:51
معتز قواس: مهارة الدقة في النص وشرح مدرسة الدكتور هاشم نصار في فلسفته في التشخيص والتجريد جعلت الاستيعاب والفهم أسهل وأجمل. شكراً دكتورة علا.
2025-10-12 09:11:05