دوائر الوعي للدكتورة علا كساب

11-10-2025

دوائر الوعي للدكتورة علا كساب

دوائر الوعي السبعة: هيكل الارتقاء الفلسفي
يُقدِّم نموذج دوائر الوعي السبعة تصورًا دقيقًا لبنية الارتقاء المعرفي والروحي للإنسان، إذ يُشَبَّه الوعي بدائرة كبرى تتكوّن من سبع دوائر متداخلة طباقيًا، تبدأ من المركز الداخلي الضيّق، حيث تنشأ البذرة الأولى للإدراك، ثم تتسع تدريجيًا مع كل مستوى نحو الخارج. وكل دائرة تمثّل طورًا من أطوار الوعي، يعبّر عن انتقالٍ من الكثافة إلى اللطافة، ومن الغموض إلى الانكشاف.
________________________________________
المركز: مبدأ الوعي بالجهل
في مركز الدائرة يبدأ الإنسان رحلته من الصفر المعرفي، في حالة من الوعي بالجهل؛ يولد لا يعلم شيئًا، لكنّه يحمل في ذاته قابلية التعلّم والاكتساب. هنا تبدأ مداركه الحسية والشعورية بالعمل، لتشكّل الأساس الذي يُبنى عليه الإدراك. إنّه مستوى البدايات الفطرية حيث يتفاعل الإنسان مع العالم بحدسه قبل وعيه، وبحواسه قبل تفكيره.
________________________________________
التمعرج والاستحقاق: قانون الارتقاء
الانتقال بين الدوائر لا يتحقق بالقفز أو الادعاء، بل بالاستحقاق؛ فكل مستوى من الوعي يتطلب إتمام دروسه قبل تجاوزه.
فالدائرة اللاحقة لا تُفتح إلا لمن وعى حدود السابقة وأتقن قوانينها.
إنّها حركة تصاعدية تُعرف بـ التمعرج — أي ارتقاء الوعي طبقةً بعد طبقة — حيث يشكّل سقف كل دائرة أرضًا للأعلى منها، كما يشكّل الفشل في إدراك دروسها عودةً إلى الأدنى. فالهبوط هنا ليس سقوطًا أخلاقيًا، بل تصحيح مسارٍ معرفيّ يعيد الإنسان إلى حيث ينبغي أن يتعلّم.
________________________________________
مراتب الأنبياء: رموز الوعي النوراني
يقدّم النموذج قراءة رمزية تربط المستويات العليا من الوعي بمقامات الأنبياء، لا بوصفها تدرجًا زمنيًا بل تمثيلًا لمراحل النور والإدراك:
• المستوى السابع: مقام النبي إبراهيم – رمز التوحيد النوراني والانعتاق من عبودية الصورة.
• المستوى السادس: مقام النبي موسى – وعي الشريعة والعقل التشريعي.
• المستوى الخامس: مقام النبي هارون – وعي البلاغ والبيان.
• المستوى الرابع: مقام النبي إدريس – وعي الحكمة والعلم الكوني.
• المستوى الثالث: مقام النبي يوسف – وعي الجمال والرحمة.
• المستوى الثاني: مقام النبيين يحيى وعيسى – وعي الطهارة والنقاء والصفاء القلبي.
أما ما وراء السابعة، فهو المستوى الثامن، مستوى النور المطلق، حيث تذوب الفواصل، وتنصهر الثنائية، وتنكشف وحدة الوجود في وجه الله الواحد الأحد.
وهنا يتحقق المعنى الأعمق لقوله تعالى: «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» — فكل دائرة من دوائر الوعي، رغم ظلماتها ونورها، إنما تتحرك في حضرة النور الإلهي، وكلّ سائرٍ فيها في رحلة تمعّرجه النورانية يتجه نحوه وإن لم يدرك ذلك.
________________________________________
الثنائيات الفلسفية: التشخيص والتجريد
يقوم هذا التصوّر على محورين متكاملين يفسّران حركة الوعي بين المادة والروح:
• التشخيص (Embodiment): هو الوعي بالمحسوس والمادي، ميدان "الطبيعة البشرية" وكثافة المادة، حيث يتجسّد الفكر في الصورة ويُختبر في الفعل.
• التجريد (Abstraction): هو الوعي بما وراء المحسوس، مجال "الطبيعة الملائكية" ولطافة النور، وكذلك "الطبيعة الإبليسية" وطاقة الأرض الكثيفة. فالتجريد إمّا أن يكون نورانيًا يرفع بالإنسان، أو أرضيًا يُثقله بقيود النفس.
وبين هذين القطبين يقع الإنسان، ككائنٍ جامعٍ للقطبين معًا، يحمل إمكانية الصعود إلى النور أو الانحدار إلى الظلمة، بحسب اختياره واتزانه بين الصورة والمعنى.
________________________________________
عالم الخلق وعالم الأمر: تكامل الوجود
تكتمل الصورة عبر ثنائية عالم الخلق وعالم الأمر:
• عالم الخلق: هو العالم المادي الظاهر الذي تُدركه الحواس ويخضع لقوانين الزمن والمكان.
• عالم الأمر: هو العالم الغيبي المجرد، الذي يُدرك بالبصيرة والتأمل، حيث تتحرر المعرفة من القيود المادية.
ولا يكتمل الوعي إلا باتحاد العالمين داخل الإنسان، حين يدرك أن المادة ليست ضد الروح، بل مظهرها، وأن الحقيقة الكاملة هي توازن التشخيص والتجريد.
فانفصال الصورة عن المعنى يُنتج الجمود، كما أن انفصال المعنى عن الصورة يُنتج الوهم؛ أما اتحادهما فهو جوهر الوعي الحقّ.
________________________________________
خاتمة: رحلة النور في دوائر الظل
إنّ كل إنسانٍ، في تمعّرجه النوراني، يسير نحو وجه الله، غير أن تفاوت المستويات بين الناس ليس تفاضلًا في القيمة، بل اختلاف في الوعي.
ففي كل دائرة ظلمات ونور ضمن مجاله، ومن تجاوز ظلمات دائرته أدرك أن النور لم يكن غائبًا يومًا، بل كان ينتظر أن يُرى.
وهكذا، حين تكتمل الدائرة الأخيرة، لا يبقى وعيٌ يسعى، بل وعيٌ يشهد، حيث لا دوائر بعد النور، ولا تعدد بعد الواحد.
،أتقدّم بالشكر للأستاذ معتز قواس على الصورة التوضيحية الدقيقة التي جسّدت هذا المفهوم الفلسفي العميق، وشرحت بمستوى بصري راقٍ كل ما تمّ طرحه في هذا المقال بوضوح وجمال

التعليقات:

Asmaa:
كما تفضل الأخ معتز في تعليقه انه فعلا خارطة طريق عندما انظر اليها أشعر أنها إحتضنتها روحي كبوصلة للعبور....

هذا الطرح يقدّم مشروعًا فلسفيًا لارتقاء الوعي الإنساني عبر بنية منهجية متدرجة تجمع بين التجربة الروحية والمعرفة العقلية دون انفصال أو صراع... قوة هذا النموذج تكمن في قدرته على دمج المادة بالمعنى والتشخيص بالتجريد ليجعل رحلة الإنسان ليست بحثًا عن الحقيقة خارجا بل كشفًا متدرجًا لها من الداخل...إنه تصور يمنح الوعي خريطة.. ويمنح الروح منهجًا..ويعيد صياغة الإنسان بوصفه نقطة التقاء بين السماء والأرض..
د.علا ..شكرا لهذا النور..
2025-11-17 13:50:46
معتز قواس : بالنسبة لي أصبح للوعي خارطة طريق غاية في الوضوح.
2025-10-12 09:18:56