الكفالة الإلهية الدكتورة علا كساب

07-10-2025

الكفالة الإلهية الدكتورة علا كساب

الكفالة في جوهرها مفهومٌ يتجاوز الإطار القانوني أو الاجتماعي إلى أفقٍ روحي عميق، فهي احتضان وضمان وتبنٍ ومسؤولية تكليفيّة، تحمل في طياتها معنى الرعاية والوكالة والحفظ. وقد جسّد القرآن الكريم هذا المعنى في نموذجين متباينين: كفالة زكريا لمريم حيث تحوّلت الكفالة إلى حضانةٍ روحية أنبتت روحًا صافية في بيئة إيمانية، مقابل تكفّل بيت فرعون بموسى حيث كانت الكفالة البشرية مجرد ظرفٍ تاريخي لم يُغيّر من حقيقة الباطن ولا من جوهر الاصطفاء. ومن هنا يتضح أن الكفالة البشرية مرآة اجتماعية تختبر صدق النفس: إمّا أن تثمر نقاءً وصعودًا، أو تكشف زيفًا وانحدارًا، بينما الكفالة الإلهية تبقى إحاطة مطلقة لا تحدّها شروط.
وتشخيصيًا، تفعيل الكفالة الإلهية في حياتنا ليس انتظارًا سلبيًا للقدر، بل هو فعل وجودي مزدوج: أن نستودع الأمر لله بصدق النية، وأن نتحرك في الواقع حاملين الطمأنينة بأن الضامن هو الحق. فكما أن مريم استودعت نفسها لله، وأم موسى ألقت رضيعها في اليم وهي مطمئنة إلى وعد الله، كذلك من يسلّم أمره لله يجد أن الله حسبه، أي كافيه وواقيه ومُتمّ أمره، فيتحول الخوف إلى ثقة، والعجز إلى طاقة، واللايقين إلى يقين راسخ.
وتجريديًا، الكفالة الإلهية هي التقاء الحرية بالاعتماد: أنت تفعل وتختار، لكنك تفعل في فضاءٍ مؤمَّن بالضمان الإلهي؛ فالله لا يصادر قرارك، بل يحيطك بما يجعل قرارك يُثمر. وحين نقول «نِعم المولى ونِعم الوكيل» فنحن لا نعلن استسلامًا بلا حركة، بل نؤكد أن الحماية المطلقة لا تنفصل عن مسؤوليتنا في الفعل، وأن من يستودع أمره لله يكفيه الله بما لا تبلغه طاقات البشر.

التعليقات:

Asmaa: شكرا د.علا أعدتي للكفالة معناها الروحي بوصفها تكوينًا لا رعاية شكلية...و فرّقتي بوضوح بين كفالة تُثمر وعيًا وأخرى تبقى حدثًا بلا أثر...
كم كان جميلًا هذا المزج بين التوكل والعمل في معادلة اتزان..
2025-11-17 14:01:38