الوعي بين ثِقل التشخيص وخِفّة التجريد: هندسة النور في الإنسان

24-01-2026

الوعي بين ثِقل التشخيص وخِفّة التجريد: هندسة النور في الإنسان

الوعي الحقيقي ليس حالة شعورية عابرة، ولا اندفاعًا عاطفيًا مؤقتًا، ولا نشوة نفسية تُخطئ النفس فتسميها “صحوة”. الوعي، من منظور التشخيص والتجريد، هو عملية هندسية دقيقة تُعاد فيها برمجة علاقة الإنسان بنفسه، وبالمادة، وبالمعنى. هو انتقال محسوب من ثِقل التشخيص—حيث تهيمن الحواس، والعادة، واللذة—إلى خِفّة التجريد، حيث يصبح النور هو المرجعية، لا المادة.

في حالة التشخيص، لا تكمن المشكلة في المادة ذاتها، بل في تحويل الوسائل إلى غايات. حين تتحول العادات، والملذات، وحتى النجاحات، إلى أهداف نهائية، يبدأ النور بالاحتجاب. ليس لأن النور غائب، بل لأن كثافة التعلّق تُعتم الاستقبال. أما تهذيب الطبيعة الطينية للإنسان فلا يتم بقمعها أو إنكارها، بل بتجريدها من سلطتها الغائية؛ أي إعادة وضعها في موقعها الصحيح كأدوات نمو لا كمعنى نهائي للوجود.

من هنا، تُفهم الصلاة خارج إطارها الطقسي الزمني الضيق. فالصلاة، في معناها التجريدي، ليست أفعالًا مؤقتة تُؤدّى ثم تُغلق، بل هي state of presence: حالة حضور وعيّي دائم في مقام الله، داخل التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. إنها اتصال مستمر بعالم الأمر، أشبه بشبكة وعي داخلية، يستمد منها الإنسان النور كما يستمد الجهاز طاقته من اتصال حيّ لا ينقطع. الطقس هنا ليس الغاية، بل البوابة.

غير أن هذا الاتصال لا يتم بلا تزكية. فكما لا يمكن لجهاز ملوّث بالفيروسات أن يستقبل إشارة صافية، لا يمكن لفؤاد مُثقل بالحقد، والادعاء، وحب الظهور، أن يكون مستقبلًا نقيًا للنور. الزكاة، بمعناها التجريدي، هي تنظيف الداخل: تفريغ الـsoftware النفسي من التشوّهات التي تستهلك الطاقة وتشوّه الإشارة. وكلما كانت البنية الداخلية أنقى، كانت الاستجابة النورانية أوضح وأدق.

حتى المحن، في هذا المنظور، تُفهم خارج منطق العقاب والصدفة. المحنة ليست خللًا في النظام، بل أداة تصحيح داخلي. الألم هنا ليس شرًا مطلقًا، بل مستشفى وجودي يُعالج اختلالات النفس التي لا تُرى في أوقات الرخاء. لذلك، السؤال الوعيّي لا يكون: “لماذا حدث هذا؟” بل: “أي قيمة يريد هذا الحدث أن يستخرجها من داخلي؟”. الفرق بين السؤالين هو الفرق بين عقل مشخّص يطلب تفسيرًا، ووعي مُجرَّد يبحث عن ترقية.

ولا يكتمل مسار النور دون سكون. الصيام، في معناه التجريدي، ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل fasting عن الضجيج: عن فائض الكلام، والتشتت، والضوضاء الذهنية. في هذا الصمت الواعي، تبدأ الانكشافات الداخلية، ويصبح الإنسان قادرًا على سماع ما كان محجوبًا بضجيج الأنا. هنا، تتحطم الأصنام الذهنية: صورة الذات المتضخمة، وهم السيطرة، وتقديس الرأي.

ومع الركوع والسجود—لا بوصفهما حركات جسدية فقط، بل انحناءات وجودية—تنكسر الأنا، ويبدأ ارتقاء الوعي. فالتواضع ليس خُلُقًا اجتماعيًا فحسب، بل شرط هندسي لصعود النور؛ لأن النور لا يستقر في بنية متضخمة، بل في وعاء فارغ مستعد للاستقبال.

الخلاصة أن النور ليس خارج الإنسان ليُطلب، بل بصمة داخلية تنتظر التفعيل. وكل ما يحتاجه الإنسان هو system update صادق: نية مُجرَّدة، عمل صالح غير استعراضي، وتنظيف مستمر للبنية الداخلية. فالحياة، في جوهرها، جهاز استقبال؛ وإن كانت الأسلاك مهترئة، والطبق متّسخًا، فلن تصل الإشارة مهما كان البث قويًا.

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.