18-01-2026
"سليمان بين التشخيص والتجريد: المُلك كأفق وعي إنساني"
لا يُقرأ قول سليمان عليه السلام: «هب لي ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي» بوصفه رغبة امتلاك أو تعاظم ذات، بل كطلب واعٍ لتفعيل ترقية وجودية نهائية بلغها بالاستحقاق، بعد تزكية العتاد الداخلي بقوله: «رب اغفر لي»، تمهيدًا لتحميل مقام السلطان، لا بوصفه ملكًا ماديًا بل كعلم قادر على إخضاع عالم الخلق لقوانين عالم الأمر. فالملك هنا يمثل مختبر وعي أُعطي في صورته التشخيصية القصوى ليكون «آية» لا تُستنسخ، وإغلاقًا لمرحلة كانت فيها السيطرة حسّية (العصا، الريح، الجن)، كي تبدأ بعدها رحلة التجريد حيث تنتقل السلطة من الأدوات إلى المعرفة، ومن المعجزة إلى السنن، ومن العصا إلى عقل متصل بالمصدر. لذلك جاء القيد «لا ينبغي لأحدٍ من بعدي» ليس حرمانًا للبشر، بل حمايةً للمسار التطوري: ختمٌ للمرحلة المرئية كي يُدرك الإنسان أن ما سُخّر لسليمان لم يكن امتيازًا شخصيًا بل كشفًا لإمكانٍ كامنٍ في الأمانة الإنسانية، لا يُنال بالتوسل بل بتزكية النفس والعلم، حين يصبح الوعي منسجمًا مع الكون فتغدو الإرادة امتدادًا للأمر، ويصير الإنسان سيد المادة لا عبدها.
1. المُلك كـ "سلطان علم" لا رغبة تملك
المُلك عند سليمان ليس نفوذًا ماديًا بل معرفة متسلسلة تُمكّن النفس من السيطرة على قوانين الطبيعة، بما ينسجم مع فلسفة التشخيص والتجريد للدكتور هاشم نصار. طلب الملك الذي «لا ينبغي لأحد من بعده» يُفسر كتفعيل لمقام السلطان الذي يتيح إخضاع عالم الخلق لقوانين عالم الأمر، وليس كاحتكار للسلطة. هذا السلطان يمثل قدرة الإنسان على تحويل الإرادة إلى امتداد للوعي الكوني، وتأكيدًا على أن السيادة الحقيقية ليست حسّية بل معرفية وروحانية.
2. التزكية (رب اغفر لي) كشرط للتحميل البرمجي
يبرز الاستغفار في النص كمرحلة أساسية لتجريد النفس من نزعات الطين والنار. قول سليمان «رب اغفر لي» هو إذن لتنقية العتاد الداخلي استعدادًا لتحميل مقام السلطان، إذ لا يمكن للوعي أن يتجاوز التشخيص الحسي دون تنقية كاملة للذات من حظوظها المادية، لتصبح وعاءً نقياً لاستقبال علوم «السيرفر المركزي» الروحي.
3. المُلك كمختبر وعي (نهاية التشخيص وبداية التجريد)
تمثل المرحلة السليمانية ذروة التشخيص: تسخير الجن والريح والطير كآيات مرئية. بعد هذا، يبدأ الإنسان رحلة التجريد، حيث تنتقل السلطة من أدوات حسية إلى معرفة متصلة بالروح، لتصبح السيادة على المادة امتدادًا للتفاعل الوعي-الكون، وفق مراحل تطور الإنسان نحو النموذج الكامل.
4. "لا ينبغي لأحد من بعدي" كحماية للمسار التطوري
القيد اللغوي ليس حرمانًا بل ختم للمرحلة التشخيصية: حماية للمسار التطوري للبشرية، حتى لا يظل الإنسان رهينًا للأدوات الخارقة، بل يسعى لتفعيل إمكاناته الكامنة ضمن الأمانة الإنسانية، التي تمثل أفقًا معرفيًا لم تُستنفد قدراته بعد.
5. الإنسان سيد المادة لا عبدها
الغرض النهائي من الملك هو أن يصبح الإنسان خليفة على الأرض، قادرًا على استخدام المعرفة لتوجيه المادة وفق قوانين الكون، في رحلة مستمرة نحو «النموذج المسيحي» الكامل، حيث تنسجم الإرادة مع مصدر الأمر، وتصبح السيطرة امتدادًا للتجريد الروحي، لا مجرد امتلاك مادي.
خاتمة:
النص يمثل قراءة فلسفية دقيقة لتحويل المُلك من امتلاك مادي إلى شفرة معرفية، وتأكيدًا على أن الأمانة والسُلطة يمكن أن تكونان مختبرًا لتدريب الروح على السيادة على المادة. هذا الفهم يتناغم مع فلسفة التشخيص والتجريد، حيث يصبح كل ما ورد في التاريخ القرآني آية وقانونًا وجوديًا، وليس مجرد سرد أو حدث، مؤكدًا أن الطريق نحو السيادة البشرية هو سيادة الوعي والمعرفة على الطين والمادة.
التعليقات:
مبدعة دومًا دكتورتنا الغالية...
قراءة بوعي جديد...ترفع مُلك سليمان من حدود الامتلاك إلى أفق الوعي وتكشف السلطان بوصفه علمًا واستحقاقًا و ليس امتيازًا..
نص يضع (المعجزة) في (سياقها التطوري).. ويعيد توجيه البوصلة من الأدوات إلى الإنسان نفسه..
بارك الله في هذا الوعي المترقي د.علا الغالية..
2026-01-19 05:49:06
2026-01-18 20:17:23
ربنا يبارك بعلمك وتشاركينا دايما بما يعمر القلب. ????
2026-01-18 18:51:36
2026-01-18 18:15:24