04-12-2025
النماذج الوجودية كلها متعلقة بالله، والله الظاهر تجلى اسمه الظاهر في هذا الوجود، فيأخذ هذا الوجود نمذجته من الله، من أعظم عظيم في هذا الوجود إلى أصغر صغير في هذا الوجود، كوصف قياسي معياري. كل جزء من الوجود، مهما كان دقيقًا أو هائلًا، يحمل انعكاسًا مباشرًا للمرجعية الإلهية، فالنمذجة ليست سطحية، بل هي نسق دقيق متسلسل ينسج كل الاحتمالات والتفاعلات، كنسق كمومي يتراوح بين الأكوان المحتملة، حيث كل حدث أو فكرة يحمل في داخله احتمالات متشابكة تتفاعل مع غيرها في فضاء لا متناهٍ من الاحتمالات، مثل تداخل الموجات الكهرومغناطيسية التي تولد البنية الكونية الدقيقة للوجود.
وكلنا خلقنا من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرين ونساء، نفس الشيء في القلب، فهناك قلب النفس العليا، وجعل لهذا القلب زوجان، مبدأ الزوجية. ولكن القلب، في جوهره، ليس مجرد عضو زوجي، بل هو محور تقليب الاحتمالات والاختيارات، مركز التحولات التي تترجم الفكرة إلى الفعل، والطاقة إلى مادة، والاحتمال إلى قرار، كما لو كان كل قلب تابعًا لمعادلات كمومية دقيقة تتحرك في فضاء متعدد الأبعاد من الاحتمالات المتشابكة، حيث كل قرار صغير يؤثر على نسق أكبر يمتد إلى الكون بأكمله.
قلب النفس العليا أصبح يتفاعل مع:
قلب النفس البشرية، وهو قلب النفس الطينية، المرتبط بالمادة والجسد والوظائف الحيوية، الذي يحمل نطاقًا محدودًا من الاحتمالات، متأثرًا بالواقع المادي والحسي، لكنه متوافق مع الاحتمالات الكبرى للنفس العليا، كتناظر دقيق بين الجزء والكل في الطبيعة، كما في بنية الذرات والجزيئات التي تحدد الوظائف الحيوية.
قلب النفس النارية الجنية، المرتبط بالطاقة الكهربائية والتي هي أيضًا محدودة بصورة الجسد وحدود كل عضو وتتفاعل معه بالشعور، وبالقدرة على التحول الطاقوي، حيث يمكن تصوره كموجات طاقوية تتفاعل مع الحواس وتنتج الوعي على هذا المستوى، كما تفعل الموجات الكهرومغناطيسية التي تولد النبضات العصبية في الدماغ.
قلب النفس العليا يتفاعل مع القلب الناري والقلب الطيني، والقلب الطيني أيضًا يتشعب منه مجموعة من القلوب، لتنتج شبكة متسلسلة من الاحتمالات والتفاعلات. فمفهوم القلب الطيني هنا ليس مجرد عضو عضلي، بل هو مركز التقليب المادي ضمن خيارات مادية متعلقة بالدورة الدموية وضبط مسار الدم في الجسد. أما القلب الناري فهو مرتبط بالقدرة على تحويل المواقف والأفكار، والتفاعل مع الاختيارات الاحتمالية على مستويات متعددة، من الكون الكلي إلى أصغر وحدة ميكروية، في نسق يشبه الحوسبة الكمومية الطبيعية داخل كل عضو وجزء وخلية من الجسد، حيث كل احتمال يتفرع إلى ملايين الاحتمالات الأخرى، كما في التشابك الكمومي بين الجسيمات.
مستوى التقلب عند النفس العليا هائل جدًا، يمتد من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، حيث تعمل المعايرة بين الاحتمالات بلا حدود. بينما النفس البشرية أقل اتساعًا في الاختيارات، فاحتمالية تقليبها للأمور محدودة نسبيًا (اختيارات القلب الطيني المحدودة بالجسد والقلب الناري المحدودة بالقرارات والأفكار المرتبطة بالجسد)، لكن النفس العليا تتفاعل مع الفؤاد، القلب المركزي كوحدة معالجة مركزية، الذي يجمع القلب الطيني الحسي المادي والقلب الناري الطاقوي، في نسق تحليلي دقيق يشبه شبكة عصبية مترابطة، حيث كل تفاعل صغير ينعكس على الاحتمالات الأخرى، مثل النبضات الكهربائية في الدماغ التي تتحكم بسلوك الجسم بأكمله.
فإذا أخذنا زومًا دقيقًا، نجد أن القلب الحسي الطيني المادي مرتبط بتقليب الدورة الدموية على مستوى العضلة القلبية في نظام تقليب الدم في الجسد، ويتفرع عنه كل ما يوجد في الجسد من أعضاء. فكل عضو في نواته يحمل قلبًا أيضًا، لديه مجموعة اختيارات، لكنها ضمن نطاق ضيق مرتبط بالقضية المادية الحسّية. فمثلا، الكلية قضيتها تقليب السوائل وتنقيتها في الجسم، وفي أجزاء الكلية نفسها تتفرع قلوب لكل وظيفة محددة، تتحكم في الاحتمالات المتعلقة بالوظيفة الكلية والجزئية للعضو، مثل التفاعلات الكيميائية الدقيقة في كل خلية. وكلما دخلنا للأصغر والأدق، هناك تشعبات أكبر للقلوب والاختيارات والاحتمالات، إلى أن نصل إلى أصغر خلية في الكلية الأولى المتناهية في الصغر، حيث تصل خياراتها إلى خيارين فقط، كما لو كانت 0 و1، أو افعل أو لا تفعل، على مستوى واحد محدد، وفق قوانين ميكانيكا الكم الدقيقة التي تحدد حركة الجزيئات والذرات داخل الخلية.
ومن ناحية أخرى، القلب الناري، محله الطاقة الكهربائية المحيطة بكل الأعضاء، والتي تتخذ نفس شكل صورة الإنسان، لكن تفاعلاتها طاقوية، تقلب القضايا المتعلقة بالحس والشعور: أتملك أو لا أتملك، أظهر أو لا أظهر، أحب أو لا أحب. هذا النموذج موجود بكل الوجود، من أصغر جزء إلى أعظم عظيم، ليعيدنا إلى الله، مبدأ الفردية، ومنها ينزل مبدأ الزوجية: الرحمن والشيطان، ومن ثم مستوى الرحيم، وهو رحم كل شيء، وكل ما يحوي ما هو أصغر منه في الوجود، الذي يرحم كل شيء ضمن مبدأ التناقضات، وهكذا تتفرع كل مستويات الوجود إلى ما لا نهاية، كما لو أن كل جزء من الكون يحتوي على نسخة صغيرة من الكون نفسه، متشابكة في نسق متسلسل لا متناهٍ، كأن كل جسيم يحمل نسخة مصغرة من الكون بأكمله.
للإنسان قلب مركزي محله النفس العليا، وقلبان يمثلان مبدأ الزوجية، ومن ثم هناك مجموعة شبه لا متناهية من طبقات مجموعات القلوب التي تتفاعل ضمن المستويات الأدنى، إلى أن نصل إلى أدنى مستوى ميكروي متناهي في الصغر. هناك أدنى مستوى من تقليب الاختيارات، ويكون على مستوى الواحد والصفر، افعل أو لا تفعل، كنسق كمومي متسلسل، حيث تتلاقى المادة والطاقة، الفردية والزوجية، الحس والشعور، في منظومة فلسفية دقيقة، تحليلية، ومتسلسلة، تحايث الله في كل مستويات الوجود، وتكشف أسرار التجريد والتشخيص الكوني، بما يعكس عمق تداخل الروح والمادة والطاقة في نسق كوني لا متناهٍ، كشبكة متشابكة من الاحتمالات الموجية التي تنسج كل خلية وكل شعور وكل قرار.
﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾
القلوب والوجود
تفتح الآية فضاءً تشخيصيًّا لاختبار بنيان الوعي؛ ليست مجرد إدانة لغفلة، بل تفكيك لصيرورة الانزلاق الوجودي: كيف يتحوّل القلب من آلية استقبال إلى عقدة تشويش، وكيف ينتقل المسار من نورٍ إلى غلالة. هذه القراءة تقرأ الآية كخريطة ديناميكية تُعرّف مستويات الانكشاف والانسداد، وتضع الضلال في خانة بنيوية ــ لا أخلاقية فحسب.
١. سماع الاستجابة وربط المعنى
كلمة «يسمعون» تتجاوز الحسية المباشرة إلى مقام التقاط الإشارة النورانية؛ إنها قدرة على الاستجابة الوجودية، على التقاط دلالات الوجود وليس مجرد أصوات. و«يعقلون» ليست مجرد إدراك فكري بل فعل ربط داخلي ــ عمل قلباني يُحوّل المعنى إلى محور هداية. إذًا، الفشل في «السماع» و«الربط» ليس قصورًا معرفيًا فحسب، بل إخفاق في آلية الشدّ بين الدلالة والهداية، وهو إخفاق يفضي إلى انحراف المسار بأكمله.
٢. الضلال كشبكة ترددية: تفسير وجودي-كمومي
الضلال هنا يُصوَّر كشبكة ترددية: قلب يتحوّل إلى مرسِل ومستقِل في آن، يشبك بترددات منخفضة كثيفة تُخنق استقبال الترددات النورانية. هذا التشابك ليس ظاهرة سطحية بل عملية تشابك موجيّة ــ كمومية تشبه تداخل الموجات، حيث يختفي السلم الترددي الذي يسمح بالارتقاء؛ ويُصبح السبيل العام الغريزي آخر ما يبقى من مخرج، وعند فقدان حتى هذا المخرج يتحوّل الوجود إلى حلقة مفرغة من التشويش الذاتي.
٣. الهرمية الوجودية: بنيات النور والأمر
يمكن تصور الوجود كهكيل هرمي طبقاتٍ متزايدة التعقيد: قمة النور المطلق، تليها منطقة الأمر حيث تسري القوانين الكلية، ثم فضاء الثنائية الذي يضع البشر أمام خيار الانحراف أو الصعود. هذه البنية توضح أن الضلال ليس سقوطًا مفاجئًا بل تدرّجًا ضمن هرم احتمالات؛ مستوى كل قلب يحدّد طاقته الشبكية، وكل نزول يعني اقترانًا أكبر بشبكات كثيفة تحجب إمكانية الرجوع إلى القمة.
٤. الصعود بوصفه عملية انفكاك شبكيّة
الصعود المعرفي والروحي هو فعل انفكاك تدريجي من ترددات الجماعة الثقيلة إلى سكونٍ فرديٍّ أكثر نقاءً؛ إذ يقلّ عدد الزملاء ذوي التردد نفسه، وتضعف الشبكات المشتركة لصالح مسارات أقل تشابكًا وأكثر خصوصية. هذا لا يعني عزلة عاطفية فحسب، بل انتقالٌ من الاعتماد على الضبط الجماعي إلى الاعتماد على مركز نور داخلي يُعيد تشكيل مسار القلب.
٥. قلة السند كشرط للتميّز النوراني
قلّة السند ليست عقابًا بل نتيجة بنيوية: كلما اتسع وعي الفرد وارتقى إلى طبقات أرقّ للمعرفة، قلّت إمكانية مشاركة نفس التردد معه، لأن الارتفاع يتطلّب مقاومة انصهار الشبكات الكثيفة. النخبة النورانية إذًا ليست نخبوية اجتماعيًا بل لاهوتيًا ومنهجيًا؛ ولها قوانينها في الفرقان والتمييز.
٦. الخسارة كتحوّل طاقي: من فقدان إلى اكتساب
الفقدان الجماعي أثناء الصعود ليس نهاية؛ إنه وفق النموذج الطاقي تحوّل: يتركز ما كان موزعًا في مجموعة ما داخل فرد واحد، فيزداد تركيز النور وقدرته على الفعل. هذه الديناميكا ليست استعارة بل وصف لعملية إعادة توزيع طاقي ــ كَمّي يغيّر بنية السَبيل ويجعل من الفرد «شبكة متكاملة» بوعيٍ واحد، كما تُجسّد سيرة إبراهيم كنمطٍ تجريبي لصيرورة الفرد أمةً.
خاتمة
من هذا السياق، تُعطى الآية قيمة تشخيصية: ليست مجرد خطاب تقويمي بل بيانٌ لآليةٍ وجودية حيث تزداد كثافة التشابك الشبكيّ كلما تراجع السماع والربط، فتنتج حالةً يصعب معها تمييز السبيل النوراني. وبهذا تكون الآية مرآة تصف حالة القلب الملتفّ على ذاته وتعلن عن إمكانية الخلاص عند استنهاض قدرة السماع والربط وإعادة ضبط التردد على نحو يتيح الصعود من الشبكة إلى الفردية النورانية
التعليقات:
رائعة هذه الإعادة لصياغة العلاقة بين الفؤاد والوعي بوصفها عملية معايرة مستمرة بين الداخل والخارج...تُظهر أن الوجود كلّه شبكة متناسقة تستجيب لحالة القلب.. نصّ يعمّق الفهم ولا يكتفي بالشرح..ويعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته وبالكون في آنٍ واحد...
شكرًا لهذا الابداع د.علا
2025-12-10 16:23:09
2025-12-08 01:38:31
2025-12-08 01:38:04
2025-12-05 18:07:29
2025-12-04 18:40:02
2025-12-04 17:49:56
2025-12-04 17:39:23