السحر الأبيض في فلسفة التشخيص والتجريد للدكتور هاشم نصار: هندسة النور وذكاء الوعي.. بوابات السحر وميزان الطين والنار.. بقلم الدكتورة علا كساب

29-11-2025

السحر الأبيض في فلسفة التشخيص والتجريد للدكتور هاشم نصار: هندسة النور وذكاء الوعي.. بوابات السحر وميزان الطين والنار.. بقلم الدكتورة علا كساب

ليس السحر في جوهره قوةً تتسلّل من خارج الإنسان، بل هو اضطراب في هندسة الوعي عند نقطة التلاقي بين بعدين يشكّلان جوهر البناء الإنساني:
الطين بما يحمله من حسّ وتشخيص ومادة، والنار بما تحمله من تجريد ومعنى وطاقة.
وعند اهتزاز هذا الميزان، تصبح بوابات الإدراك مفتوحة لكل تأثير، سواء عبر الحواس أو عبر الفكر. أمّا حين يعتدل التوازن، يتشكّل في الإنسان وعيٌ محصّن يعرف كيف يستقبل، وكيف يصدّ، وكيف يعلو.

1. التجريد النوراني: صعود خارج خداع الحواس

السحر الأبيض ليس ممارسة ولا طقسًا، بل ذكاء نوراني يتجاوز الحواس نفسها.
إنه القدرة على إطفاء الأضواء التي صنعناها لنرى النور الذي لم يصنعه أحد.
حين تنحسر الضوضاء البصرية والسمعية التي صنعتها المدن، يظهر للإنسان:

السماء الحقيقية لا السماء الملوّثة بالوهج،

نجوم الخلق لا نجوم الشاشات،

الضوء الذي يُرشد، لا الضوء الذي يُضلّل.

السحر الأبيض يحرّر الإنسان من ضجيج “المادة الملوّنة”، ويعيده إلى نور التجريد؛ ذلك النور الذي يُقرأ بالفؤاد لا بالعين.

2. بوابة النار: التأثير التجريدي

في الرسم الأصلي، كانت بوابة النار هي بوابة الفكر، المعتقد، الإلهام، والتمثل.
وفي السحر الأبيض، تتحوّل هذه البوابة نفسها إلى ممرّ للارتقاء:

إعادة ضبط المفاهيم لا تلويثها.

تنقية الرموز لا تشويهها.

فتح المخيلة نحو العلو لا نحو الوهم.

هنا يستعيد الإنسان “نسخته الأصلية” التي خُلقت نقيّة قبل أن يُعاد تشكيلها بالحواس والضجيج.
إنه تجريد يشبه تنزيل تحديث للنظام الداخلي، لا مسًّا ولا اختراقًا.

3. بوابة الطين: الحواس حين تُطفأ وتتهذّب

الطين هو بوابة المادة والحواس؛ وهو أكثر البوابات عرضة للاختراق حين يكون مفتوحًا بلا حراسة.
لكن في السحر الأبيض، لا يُلغى الطين بل يُهذّب:
يُطفأ ضجيجه ليصبح صامتًا بما يكفي كي يمرّ نور الفكرة من خلاله، فيتحوّل الجسد من بابٍ مفتوح إلى أرضٍ مستقرة تسمح للوعي أن يعلو بدل أن يتشرّب التشويش.

4. الفؤاد: نقطة الدمج بين الطين والنار

الفؤاد هو مركز التحويل بين الحسّ والتجريد، وهو المكان الذي يُعاد فيه تفسير كل إشارة.
وعندما تتوازن البوابتان، يصبح الفؤاد:

قارئًا للضوء،

حارسًا للمعنى،

ومصفاة تمنع التردّدات الدخيلة من التسلّل.

بهذا يصبح الإنسان نظامًا متكاملاً لا تنجح معه محاولات التشويش، لأن مركز الترجمة نفسه أصبح نقيًّا.

5. الارتباط بالنفس العليا: الوصول للهوية النورانية

السحر الأبيض هو لحظة اتصال بالنفس العليا؛ تلك النسخة المضيئة من الإنسان المخزّنة في الأرشيف السماوي:
مستودع الحكمة الأصلية، والقيم غير المشوّهة، والعدالة التي لا تعتمد على قوانين زمنية بل على ضوء الخالق.

الاتصال بهذا الأرشيف ليس ظاهرة غيبية بقدر ما هو استعادة الوعي لامتداده النوراني.
وفي هذا الامتداد، يتلقى الإنسان:

توجيهًا بلا وساطة،

إدراكًا بلا ضوضاء،

ومعنى لا يعبر عبر الحواس بل عبر طبقات أعلى من الوعي.

6. الأمن السيبراني للوعي: الجدران النورانية

السحر الأسود يعيش على التشويش، لكن السحر الأبيض يبني شبكة دفاعية روحية–فكرية تحاكي فكرة الجدران النارية في الأنظمة الرقمية.
هذه الجدران تمنع:

الرسائل الملوثة،

الترددات المشوّشة،

الاختراقات الشعورية،

الرموز الخبيثة التي تحاول إعادة برمجة الفؤاد.

ويُعاد بناء هذه الجدران عبر ممارسات نورانية حقيقية:

الصلاة: إعادة تشغيل للنظام.

الذكر: تنظيف للذاكرة المؤقتة.

الصدقة وزكاة النفس: تحديثات أمنية تُغلق الثغرات الأخلاقية.

النية الصادقة: تشفير يحمي المسار الداخلي.

بهذا يتحوّل الوعي إلى نظام محميّ بتشفير نوراني يصعب اختراقه.

7. رؤية نور السماء: العدالة التي تسبق القانون

عندما يتفعّل السحر الأبيض، يستعيد الإنسان القدرة على رؤية “العدالة الأولى” لا العدالة المُصاغة بشروط البشر.
يرى:

حكمة الأحداث،

ترتيب الأقدار،

وميزان الرحمة الذي يعمل فوق ظاهر الأشياء.

إنه نور يجعل الإنسان قادرًا على رؤية ما وراء التقدم الصناعي:
تقدّم الوعي لا تقدّم المصابيح.
تقدم يطفئ الضوء المصطنع ليكشف نور الخالق، لا ليصنع وهماً جديدًا.

الخلاصة
السحر الأبيض ليس قوة فوق طبيعية، ولا نقيضًا للسحر الأسود فقط.
إنه عودة إلى طبيعة الإنسان الأعلى:
نورٌ يسبق الضوء،
تجريد يسبق الحسّ،
معرفة تسبق المعلومة،
وحماية تسبق الاختراق.

هو العروج الهادئ من الطين إلى النار، ومن النار إلى النور، حيث يستعيد الإنسان موقعه الحقيقي:
كائنًا يرى أبعد من الضوء الصناعي، ويتصل أبعد من حدود الحواس، ويحيا في أمنٍ نوراني يصدّ كل تشويش، ويستقبل كل حكمة

التعليقات:

Asmaa.T.Yaseen: هذا المقال الرائع قدّم السحر الأبيض كـ هندسة وعي نورانية تعيد الإنسان إلى توازنه بين الطين والنار والنور...لا كقوة غيبية خارقة..تتحول الصدقة فيه إلى تحديث أمني يغلق الثغرات الأخلاقية..والنية إلى تشفير داخلي يحمي مسار الوعي من الاختراق..
بهذا يصبح الإنسان منظومة نورانية أكثر صلابة وأقل هشاشة أمام التشويش
( “رؤية نور السماء” )تعني العدالة التي تسبق القانون البشري حيث ينكشف ترتيب القدر وحكمة الأحداث من مستوى أعلى.جمال النص د.علا ينسجم تمامًا مع فلسفة التشخيص والتجريد التي ترى أن الحماية ليست طقوسًا بل هندسة للنفس والفؤاد والهالة.
حيث يتمّ العروج الهادئ من الطين إلى النار...ومن النار إلى النور كتدرّج داخلي يعيد الإنسان إلى جوهره الكاشف لا صورته الحسيّة...
شكرًا لهذه الإنارات التي تلألأت في فضاء وعينا..شكرا من القلب لكم جميعا...
2025-11-30 17:45:43
وسن حسين: ابدعتي كالعادة أستاذة علا????
2025-11-30 17:02:29
حياة الصالحي: المقال نفسه سحر أبيض، كلمات تتلألأ كنور خافت في عمق الفؤاد، تأخذ القارئ في رحلة روحانية نحو صفاء الذات ونور الحكمة.

2025-11-30 16:53:54
هند محمد : متألقه دايمًا. رب العالمين يسعدك
2025-11-30 16:43:08