15-11-2025
في تأمّلٍ إبستمولوجي معمّق: من التشخيص الحسي إلى التجريد النوراني داخل «دائرة الوعي» بحسب ما تطرحه فلسفة التشخيص والتجريد للدكتور هاشم نصار
تقدّمُ الرسمةُ مخططًا إبستمولوجيًّا بصريًّا يُقرأ كخريطةٍ لحركة الوعي: دائرةٌ كلية تُسمَّى «دائرة الوعي»، قعرها أرض الوعي الذي تحطُّ فيه التجربة الحسية، وقمتها سماء الوعي التي تنفتح فيها معاني التجريد النوراني. بينهما سلمُ ارتقاءٍ يبيّن كيف يتحوّل الوعي من مُنجَزٍ تشخيصيّ يتعامل مع الظاهرة إلى نسقٍ تجريديٍّ يعالج المعنى والغيـب؛ ولتلك الحركة منطقٌ داخليّ، وظيفيّ، ونفسيّ لا يكفي أن يُفهم كقفزة لحظية، بل كعملية تدريجية مؤسَّسة على عمليات التصفية والربط والاختبار.
١. أرض الوعي: محطة التشخيص الحسيّ، بديهة الوجود
أرض الوعي هي مستوى البداهة المعرفية: جُملٌ من إدراكات حسّية، إشارات جسدية، انطباعاتٍ نفسية، وبياناتٍ حسّية تُقدّم العالَم كما هو موجود. في هذا المستوى ينشأ «التشخيص» بمعناه العمليّ: قراءة الظاهرة على أساس الحضور الحسيّ، وترتيب الأولويات بحسب التأثير الانفعالي أو الفعلي. التفكير هنا غالبًا يكون تفسيريًا ضيقًا، مرتبطًا بالعصبية الإدراكية والذاكرة الحسيّة، والفؤاد يتجاوب قبل العقل التحليليّ. أمثلةٌ يومية توضّح ذلك: الذوق الذي يعلن طعمًا، الرائحة التي تستدعى ذكرى، أو هزة قلبية أمام حدثٍ مفاجئ — كلها مدخلات تُطالب بالاستجابة قبل السؤال عن المعنى.
٢. السلم الارتقائي: عمليات التصفية والربط والانتقال
الارتقاء من أرض الوعي ليس انتقالًا ميكانيكيًا بل سلسلة عمليات معرفية: تصفيةُ البيانات، ربطُ المظاهر، وصياغةُ أنماطٍ قابلة للاستدلال. في الدرجات الأولى يُبقى التشخيص هيمنته؛ يسأل العقل: «ما الذي يحدث؟» ثم: «هل هناك معنى؟» هذا السؤال الانتقادي هو المحرّك العقلاني الأول. العملية هنا تفرض نوعًا من الفراغ الداخلي، مساحةً تتوقف فيها الاستجابات التلقائية ويُتاح للفكر أن يعيد ترتيب المشاهد إلى بنى عقلية. قبل «المنتصف» تظل الميول الحسّية والمشاعر جزءًا فاعلًا؛ بعد المنتصف يبدأ العقل في تعطيل تلقائية التشخيص ليفسح المجال للتجريد كإمكانية عملية.
٣. المنتصف: نقطة التحوّل والتمييز البنيوي
المنتصف ليس مجرد خطٍ في السلم بل هو نقطةٌ بنيوية يتحقق فيها جزئيًا استقلال نمط التفكير عن الحافز الحسي. هنا تظهر عمليّات الانعزال الاختياري — ليس هروبًا بل تأمّلٌ منهجيّ — حيث يكتسب الفكر قدرةً على تقصي «ما وراء الشعور». الدماغ لم ينفصل كليًا عن الجسد، لكن العلاقة بينهما تُعاد صياغتها: التفاعل يصبح أقل تلقائيّة وأكثر فحصًا معنويًا. في هذا الموقع يبدأ الفاعل المعرفي في تحويل الخبرة إلى سؤالٍ مجرَّدٍ قابِلٍ للاختبار.
٤. ما بعد المنتصف: نزوع التجريد وتطبيقه الاختباري
عند ازدياد صعود الوعي تتجلّى الأفكار المجردة: مفاهيمٌ كبرى (الحق، الجمال، السبب الأول، الوجود الإلهي) التي لم تعد مجرد فرضيات بل تُسقط على أرض الواقع كاختباراتٍ معنوية. التجريد هنا لا يظلّ نظرية جامدة؛ بل يصبح منهجًا تُقاس به الممارسة. مثال: فعل الرحمة الذي وُجِد في أرض الوعي كاستجابة تشخيصية يتحوّل إلى ممارسة واعية عندما يُؤسس لفهمٍ تجريديٍّ عن قيمة الرحمة نفسها. في العلوم كما في الروحانيات، الانتقال من الملاحظة إلى الفرضية ثم إلى التطبيق هو ذاتُه نموذجٌ معرفيّ للتفاعل بين التشخيص والتجريد.
٥. سماء الوعي: المعرفة النورانية واتّساع الغيب
في الدرجات العليا يصل الوعي إلى ما يمكن تسميته «معرفة نورانية»: حضور معرفيّ يواجه الغيبَ كأفقٍ معرفيّ لا كبقعة غموضٍ خارجية. الاستدلال هنا يتعدّى الاستدلال المنطقي البحت، ويشمل حضورًا تجريبيًّا في السلوك والعلاقة الروحية. الفكرة عن الخالق مثلاً لا تبقى استنتاجًا بل تظهر كاستدلالٍ في الخبرة الروحية والسلوك الأخلاقي. ومع ذلك السماء ليست انفصالًا عن الأرض بل امتدادٌ ونضجٌ لها: أعلى مراتب التطبيق العملي لِما تعلّمه الوعي في أسفله.
٦. الحلقة الإبستمولوجية: ردّة الفعل والتوليد المتبادل
لا ينتهي السلم عند السماء؛ بل يستدير التجريد الناضج ليعيد تشكيل أرض الوعي. هذه حلقةُ تصحيحٍ ذاتيّ: تجربةٌ تنتج مفهومًا، ومفهومٌ يعيد فضاء التجربة ليُعطى ممارساتٍ أنزه وأدق. بهذا يتحقق الوعي الناضج: ليس متصوفًا بعزلٍ عن الواقع، ولا ماديًّا محصورًا في الحسّ، بل وسيطًا مبدعًا بين الصورة والمعنى.
خاتمة: دلالات فلسفية وتربوية
الرسمة ليست مخططًا تقنيًا فحسب، بل خارطةٌ تربوية لحياةٍ معرفية واعية؛ تعلمنا أن الانتقال من «العين التي ترى» إلى «البصيرة التي تدرك» عمليةٌ تدريجية تتطلب تدريبًا على الصبر، تأمّلًا منهجيًا، وعزلةً مقصودةً أحيانًا لتصفية القلب والعقل. الفاعل الناضج هو من يجسر بين الأرض والسماء: يحوّل الحِسّ إلى فهمٍ، والفهم إلى عملٍ، ويترك تجربته مادةً لنموّ وعيّ الآخرين. بهذا تصبح «دائرة الوعي» نموذجًا عمليًّا لفلسفة الحياة: حركةٌ من التشخيص إلى التجريد، ومن التجريد إلى التطبيق، ومن التطبيق إلى تجدد الفهم—دورةُ وعيٍ تُعيد صياغة العالمَ والذات معًا..
د.علا كساب
التعليقات:
هذا الطرح د.علا يؤكد انطباعنا لحملك روحًا معرفية ناضجة ترى أبعد من الفكرة وتتعداها إلى أثرها في الحياة لقد استطعتي أن توصلي لقارئك التجريد بلغة تُشعره أن الوعي ليس ترفًا فكريًا بل رِحلةُ تهذيب وارتقاء...
شكرا لك من القلب لهذه الإضاءات..
2025-11-17 13:03:53
صراحة اول مرة افهم التناغم بين التشخيص والتجريد
طرل مبارح وانا ما نمت وافكر شو يعني تناغم ووجهين لعملة واحدة
مش عارفة ادمجهم هل ادمجهم في نفس الموقف او كل موقف على حدى قد يتوضح فيه التشخيص اكثر من التجريد
اعتقد اني بدات ارى بداية الطريق
شكرا دكتورة عُلا وشكرا دكتور هاشم
2025-11-17 09:21:57
2025-11-16 19:16:58
2025-11-16 08:00:16
2025-11-16 07:56:45
2025-11-16 02:30:08
2025-11-15 23:52:12
2025-11-15 23:43:44