15-11-2025
الصناعة على عين الله: من الخلق إلى التكميل في مختبر الوعي الإلهي»»وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي» هي العبارة التي تفكّ شيفرة العلاقة بين الإلهيّ في نموذجه الإنسانيّ الأعلى والإنسانيّ في قابليّته للتكميل؛ فالصناعة هنا ليست فعلًا زمنيًّا أو ماديًّا، بل فعلًا كونيًّا يتمّ في مختبر الوعي حيث يُعاد تشكيل الإنسان في مدار الرؤية الإلهيّة. فـ«العين» ليست أداة إدراك حسّي، بل مقام إحاطةٍ كليّة، يُرى بها المقصد لا الحدث، والمعنى لا المظهر. إنها عين الحكمة التي تتجاوز المراقبة إلى التكوين، تُتابع الكائن في كل انكسارٍ كي تعيد ترتيب جوهره في انسجامٍ مع الغاية التي خُلق لأجلها. فالصناعة هنا نحتٌ روحيٌّ بالآلام والتجارب، إذ لا تنضج الروح إلا تحت نار الانكشاف، ولا تُصاغ إلا حين تتكسّر قشرتها البشرية لتنكشف لبّتها النورية.
وموسى، في مسيره من الخوف إلى الرسالة، لم يكن ينجو من الأحداث، بل كان يُعاد خلقه داخلها؛ كلّ خوفٍ كان تمرينًا على الإيمان، وكلّ نفيٍ كان عبورًا نحو الحقيقة. فقوله تعالى: «وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي» ليس وعدًا بالأمان، بل إعلانًا بالتحويل، إذ يُنقَل المصنوع من تدبير البشر إلى تدبير المطلق، ليغدو شاهدًا لا على ذاته بل على الفاعل فيه. فالصناعة الإلهيّة لا تُنبت بشرًا ينجون، بل أرواحًا تُدرك. هي عملية تصعيد للوعي من الرؤية الجزئية إلى البصيرة الكليّة، من التجربة إلى الشهود.
وفي هذا المقام، تصبح «العين» رمزًا للحضور الإلهيّ في صميم التجربة الإنسانية؛ حضورٌ لا يراقب ليحاكم، بل ليُكمِل النقص بالاصطفاء. فالألم والتيه والغرق ليست اختبارات قسريّة، بل أدوات خلقٍ دقيق تُعيد للروح تناسقها مع سرّ الوجود. وكل من صُنِع على عين الله لا يُترك للصدفة، بل يُقاد نحو ذاته كما يُقاد النور إلى جوهره. إن هذه الصناعة هي جوهر النبوّة والإنسانية معًا: أن يُصبح الكائن مرآةً لله، لا يرى بعينه، بل يُرى بعين الحقّ فيه.
التعليقات:
المقال يفتح أفقًا تأويليًا راقيًا لمفهوم «الصناعة الإلهية» بوصفها مسار تكوين و ليس مجرد حماية أو رعاية ويقدّم قراءة عميقة للآية بوصفها مشروع إعادة تشكيل وعي و ليس حدثًا عابرًا...
تحويل التجربة من مستوى الوقائع إلى مستوى الكشف ومن نجاة الجسد إلى صقل الروح.
هنا تم الدمج بين الدلالات القرآنية والبعد الوجودي بانسجام رائع.
شكرا لك د.علا لهذا الطرح الذي حمل قراءة عميقة للنموذج الإنساني عبر مرآة الحكمة الإلهية..
2025-11-17 13:19:15