"هندسة الوجود: حين يتجلّى الكلّ في أجزائه" الدكتورة علا كساب

13-10-2025

"هندسة الوجود: حين يتجلّى الكلّ في أجزائه"  الدكتورة علا كساب

إنّ سرّ الوجود، في جوهره، يقوم على مبدأ التركيب الكليّ للمعنى من خلال الجزئيات المتفرقة. فالكون أشبه ببنية معرفية مترابطة، لا يُدرك فيها الكلّ إلا بتكامل الأجزاء. كلّ كائن، بوعيه أو بدونه، يمثل عنصرًا فاعلًا في نظام الوجود؛ إذ يساهم في تحقيق التوازن الكوني الذي بدونه يختل انتظام الصورة الكبرى. ومن ثمّ، فلكلّ وجود – مهما بدا ضئيلًا أو عابرًا – وظيفة لا يمكن الاستغناء عنها، لأن العدم الجزئي يفضي إلى خللٍ كليّ في البنية الوجودية.

الاختلافات بين البشر، وما يظهر من تناقض في القيم أو الاتجاهات، ليست انقسامًا في الغاية بل تنوّعًا في آليات تحقيقها؛ فكلّ تناقض هو قطبٌ في منظومة تكاملية تحفظ للوجود ديناميته وتوازنه. إنّ الفهم العميق لسرّ الوجود لا يتحقق بالمعرفة الجزئية أو الفردية، بل عندما تتكامل وعيًا الإنسانية جمعاء في إدراك المشهد الكليّ. فالإنسان لا يفهم الوجود من موقعه الفردي، بل من موقعه ضمن شبكة الكلّ، حيث يتجاوز ذاته ليعي وظيفته كعنصر في تركيب الصورة الشاملة.

وكلّما ازدادت مقاومة الوجود أمام الإنسان، ارتقت درجته في الوعي، لأنّ العقبات ليست نقيض الارتقاء بل شرطه؛ فبقدر عمق الاختبار يتحدد مستوى الوعي. ومن هنا نفهم أن التفاوت بين الناس ليس تفاضلًا في القيمة بل في مستوى الإدراك، وأنّ “السابقين المقربين” هم أولئك الذين وعَوا التناقض لا كصراع، بل كضرورة تكوينية لحفظ توازن الحقيقة بين العلوّ والانحدار. وهكذا يُفهم الوجود لا كحدثٍ متفرق، بل كمنظومةٍ واحدة تتجلّى فيها حكمة الكمال عبر اختلاف الأجزاء واتصالها في المعنى الواحد

التعليقات:

Asmaa: شكرا د.علا على هذه الرؤية التي توضح أن الكون ليس أجزاء منفصلة بل صورة كاملة تحتاج لكل جزء ليكتمل معناها...حتى الأشياء أو الأشخاص الذين نظن أنهم بلا تأثير لهم دور مهم في التوازن... كما تطرح أن اختلاف الناس في الأفكار والاتجاهات ليس مشكلة أو صراعًا....بل طريقة من طرق اكتمال الحياة وفهمها
الفكرة الأساسية أن الإنسان لا يستطيع فهم الوجود بمفرده بل من خلال وعي جماعي يساعد على رؤية الصورة الكبيرة...بهذا الأسلوب يتحول التحدي والاختبار من مصدر ألم إلى خطوة ضرورية لنمو الوعي والارتقاء....
شكرا لهذا الطرح الجميل د.علا
2025-11-17 13:27:02