"من نَبت الأرض إلى نُطق الوعي: قراءة في سرّ الإنبات القرآني" الدكتورة علا كساب

13-10-2025

"من نَبت الأرض إلى نُطق الوعي: قراءة في سرّ الإنبات القرآني" الدكتورة علا كساب

إنّ قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا}
ليس مجرد إشارة إلى أصل الخِلقة الترابية، بل هو إفصاح وجوديّ عن سرّ الارتقاء من الجماد إلى الوعي. فـ"الإنبات" في هذا السياق القرآني ليس توصيفًا ماديًا لعملية النشوء، بل رمز لمسار التحوّل الكونيّ الذي يسري في كلّ مستويات الوجود؛ إذ يبدأ بالعنصر الصامت وينتهي بالكلمة الناطقة، ليعبّر عن دورة الصيرورة التي بها يتجلّى الوعي من رحم المادة.

فالإنسان، في جوهره، امتداد للأرض لا على مستوى الجسد فحسب، بل على مستوى البنية الوجودية. فهو يحمل في كيانه خصائصها: من ثبات التراب أصل البقاء، ومن النبات خاصية النموّ والتفتح، ومن الحيوان حركة الحياة وغريزة السعي، ومن الماء صفاء الجوهر وقابلية الانعكاس، ومن النار طاقة التحوّل، ومن الهواء شفافية الاتصال بين العوالم.
بهذا التكوين، يصبح الإنسان المعادلة الجامعة لكلّ قوى الخلق، الكائن الذي تتقاطع فيه العناصر الأربعة لتنتج خامسها: الوعي.

ولما حمل الإنسان "الأمانة"، لم يحملها بوصفه جسدًا من طين، بل بوصفه النقطة التي التقت فيها المادة بالمعنى، والوجود بالمدلول. فهو مرآة الكون التي ترى ذاتها، والمختبر الذي تُجرَّب فيه حكمة الخلق.
ومن هنا، فإنّ "الإنبات" القرآني هو ولادة وعييّة مستمرة، لا تقتصر على لحظة الخلق الأولى، بل تتجدّد في كلّ لحظة وعيٍ، كلّما استيقظ في الإنسان إدراكُه بأنه ليس مفصولًا عن الأرض بل امتدادٌ ناطقٌ لها.

وهكذا يتجلّى المعنى:
الإنبات هو رحلة الوجود فينا، من سكون العنصر إلى يقظة الفكرة، ومن خامة التراب إلى شعاع الروح.
فكما تنبت البذرة من ظلمة التربة إلى ضوء الشمس، كذلك ينبت الإنسان من ظلمة الجهل إلى نور الإدراك.
إنه نبت الأرض الواعي، ومرآة الكون العاقلة التي لا تكتفي بأن تعكس الخلق، بل تفسّره، وتعيد إنتاج معناه فكرًا وشعورًا ونورًا

التعليقات:

Asmaa: قراءة جميلة وعميقة للآية.. حيث يتحول مفهوم "الإنبات" من معنى مادي إلى رؤية تشير إلى تطوّر الوعي في الإنسان... هنا يصل الى ادراكنا الفهم أن الإنسان ليس مجرد جسد مخلوق من تراب بل كائن يحمل في داخله طاقات وعناصر متعددة تجعله قادرًا على النمو الفكري والروحي... و أن الوعي ليس لحظة واحدة..بل عملية مستمرة تشبه نمو البذرة من الظلام إلى النور...
شكرا د.علا ..طرح يدمج بين المعنى القرآني والبعد الإنساني بطريقة وملهمة..
2025-11-17 13:33:39